العلاقة بين مركز القاهرة المالى الدولى CIFC، والهيئة العامة للاستثمار ووزارة التخطيط، قد تدق أحيانا من الزاوية التى تنظر منها ولها. وقبل النظر دعونا نتفق أن المركز المالى الدولى مفهوم يستخدم لوصف كيان بمنطقة جغرافية تتمتع بتوفر البنية التحتية المالية والرقمية والقانونية اللازمة لتطوير الأنشطة المالية والاستثمارية، بغرض جعل الدولة مركزًا ماليًا إقليميًا ودوليًا. وهو بهذا المعنى يختلف مثلا عن (حى المال) كمنطقة جغرافية معينة داخل المدينة، لتجميع الأنشطة المالية والمصرفية والتجارية والمالية العاملة بالنظم الجارية فى مكان واحد، لتوفير بيئة ملائمة للأنشطة المالية والمصرفية، وتسهيل العمليات المالية وتحسين الخدمات المصرفية والمالية المتاحة للعملاء. وبالتالى CIFC حسب طبيعته الدولية، يمثل مفهومًا أو مبدأً عامًا يتعلق بتطوير الأنشطة المالية وتحسين البنية التحتية المالية بالمنطقة، بينما يمثل حى المال منطقة معينة مركزية داخل المدينة، يتم فيها تجميع الأنشطة المالية والمصرفية والتجارية والمالية بمكان واحد، وهو ما يجعل حى المال يمكن أن يكون جزءا من المركز المالى الدولي، كموفر للبنية التحتية المالية اللازمة لجذب الاستثمارات الدولية وتسهيل الأنشطة المالية والمصرفية والاستثمارية فى المنطقة بشكل عام، والمستفيد منها حى المال بشكل خاص.
لذلك فإن دعم مصر لتأسيس مركز القاهرة المالي، يجد صداه الحقيقى فى المرحلة الاقتصادية والسياسية الحالية، التى تجعل من وجود مركز CIFC من أهم العوامل الإيجابية المنعشة للاقتصاد المصري، ولحدوث ذلك يلزمنا رؤية العلاقة بين أركان المثلث الذهبى (وزارة التخطيط – هيئة الاستثمار – CIFC). فتأسيس CIFC طبقا لمفهومه ونظامه القانونى الدولى ونظم عمله وبنيته التحتية الرقمية وربطه بالمراكز المالية الدولية، سيجعله عاملا مساعدا للاستثمار، فى جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير البنية التحتية المالية بتطوير أسواق رأس المال، من خلال تحسين الإطار القانونى والتنظيمى للأسواق المالية، كذلك العمل مع هيئة الاستثمار على تطوير البنية التحتية المالية بمصر، بتحسين البنية التحتية للدفع الإلكترونى والتحويلات المالية، وتطوير الأنظمة الداعمة لتداول الأوراق المالية والتعامل مع الأصول المالية والمشتقات المالية والتأمين وغيرها من المنتجات المالية، وهو ما سيجعل هيئة الاستثمار وCIFCيعملان على تعزيز التكنولوجيا المالية (FinTech) بتشجيع الابتكار والتطوير ونقل قصص النجاح من المراكز المالية الدولية الأخرى وبرامج التدريب المشتركة.
ولا شك أن موافقة مجلس الوزراء على تعديل اللائحة التنفيذية لقانون الاستثمار بـ«الموافقة على إنشاء منطقة حرة خاصة خدمية تتكون من مشروع خدمى رئيسى يقوم على إنشاء وتطوير وإدارة وإتاحة حيز مكانى لبعض المشروعات الخدمية الفرعية التى تزاول أنشطة مماثلة» هذا التعديل من أهم الخطوات المعبرة عن تطور السياسة الاستثمارية بمصر، وسيكون «حى المال طبقا لتعريفه السابق» من أنسب وأقوى المشاريع التى ستدعم تنفيذ وتوسعات المناطق الحرة الخاصة الخدمية على مستوى مصر. هذا النص هو البداية الحقيقة لرؤية وزارة الاستثمار والهيئة العامة للاستثمار، لأهمية تطوير البنية التحتية المالية لمصر، والتى سيساهم CIFC بطبيعة تكوينه ووظيفته الاقتصادية فى الوصول لها، كآلية خاصة تتمتع بتوفر البنية التحتية المالية اللازمة لتطوير الأنشطة المالية والاستثمارية، لجعل مصر مركزًا ماليًا إقليميًا ودوليًا. ومع فعالية التعديل الجديد للائحة التنفيذية باستحداث المناطق الحرة الخاصة الخدمية، واستفادة CIFC منه فى موضوعية الحيز المكانى والمشروع الخدمى الرئيسي، فإن استكمال النظم القانونية الخاصة بتأسيس CIFC كمركز مالى دولى بمصر، سيكون جزءًا لا يتجزأ من وجوده لتحقيق المستهدف منه (لاختلافه عن مفهوم حى المال كما سبق الإشارة).
خاصة أن الطبيعة القانونية والإجرائية لـCIFCطبقا للنظام الدولي، تشكل مركزا لجذب المستثمر ومصداقية لاستقرار استثماراته بمصر من خلال قانون العقود، نظم فض المنازعات، تنظيم التكنولوجيا المالية، حوكمة الشركات، الحوافز الضريبية والمالية، تبنى وتطبيق معايير اللجنة الدولية للأوراق المالية والبورصات، معايير اللجنة البازلية، معايير اللجنة الدولية للمعايير المحاسبية، معايير الاتحاد الأوروبى لتنظيم الأسواق المالية، معايير اللجنة الدولية لمراجعة الحسابات. هذه المعايير جزء من بناء مصداقية المراكز المالية الدولية التى تتجاوز تنظيمها ضوابط المناطق الحرة الخاصة الخدمية، وتحتاج فعلا لإطار قانونى اقتصادى مالى تقنى خاص، يضمن توفر هذه المعايير كآليات ومحركات تشغيل CIFC، منعا من إضعاف ثقة المستثمر بالمركر، والتدقيق التنظيمى من المراكز الأخرى، والمسؤولية القانونية لعدم الامتثال للمعايير الدولية، وبالتالى انخفاض قدرته التنافسية، وعدم الاستقرار الاقتصادي، وهو ما سينعكس على سمعة CIFC كمركز مالى دولي، ويحوله لإحدى الوحدات الخدمية المالية البراقة بمنطقة حرة خاصة وليس International Financial Center، يرتبط بدعم النمو الاقتصادى للدولة.
مقابل ذلك فإن دعم وزارة وهيئة الاستثمار لتأسيس CIFC طبقا للضوابط العالمية، سيجذب المستثمرين لمناخ استثمارى حقيقى وقوي، يصل بالاقتصاد المصرى للأسواق العالمية، وتعزيز الاستقرار المالى للدولة من خلال آلية تدعم اقتصادها وتكون جزءًا منه، كبادرة لانخراطه فى سوق المال العالمية.
من هنا نؤكد على الشراكة الإستراتيجية بين وزارة التخطيط وCIFC، من خلال تأسيسه ووجوده بفهم وتفهم ودعم السياسة الاستثمارية بمصر، ليكون أحد الشركاء المؤثرين والداعمين لوزارة التخطيط فى تمويل المشاريع الكبرى وتحسين بيئة الأعمال بجذب المزيد من المستثمرين مما يعزز النمو الاقتصادى وتحسين مستوى المعيشة، كذلك تعزيز التعاون الإقليمى وتحسين الروابط الاقتصادية والتجارية بين الدول المجاورة لدعم النمو الاقتصادى بالمنطقة وتحسين الاستقرار السياسى والاقتصادى وتحقيق رؤية 2030. فإذا اتفقنا أن مصر نجحت خلال العشر سنوات الماضية فى تطوير البنية التحتية، وتوفير الموارد البشرية، وزيادة الوعى بالتقنية ورقمنة الخدمات الحكومية والتحول الرقمى بالقطاع المصرفى من خلال الهوية الرقمية، والإقراض الرقمي، والعملات الرقمية والبنوك الرقمية، فإننا سنجد أن توقيت تأسيس مركز القاهرة المالى الدولى، متناغم مع سياسة الدولة للخروج من عنق الزجاجة، بتوفير حلولا غير تقليدية تهدف لتقديم منتجات غير تقليدية محليا ومعروفة عالميا، تستعيد بها المستثمر الأجنبى للاستثمار الآمن بمصر. حتما لا يخف على الإدارة المصرية فوارق الهوية والدور والوظيفة بين المراكز المالية الدولية وحى المال، والنظم القانونية والفنية الخاصة بتدشين الاثنين، فإذا كانت المناطق الحرة الخاصة الخدمية هى بداية واعية جدا وإيجابية لتطوير شكل من أشكال تجميع الخدمات المالية والمصرفية، فإن تأسيس CIFC وفقا لنظمه العالمية ما يجعلنا نهرول للخروج من الأزمة بخطى عالمية واثقة.
* محامى وكاتب مصرى