حازم شريف

حازم شريف

11:30 ص, الأحد, 22 فبراير 04

الصحافة‭ ‬مهنة‭ ‬تمنحك‭ ‬بطاقة‭ ‬مجانية‭ ‬للتجوال‭ ‬والمعرفة‭.‬
ربما‭ ‬يسعدك‭ ‬الحظ‭ ‬فتبدأ‭ ‬فى‭ ‬قسم‭ ‬التحقيقات،‭ ‬فتمسح‭ ‬شوارع‭ ‬المدينة‭ ‬مسحا،‭ ‬تتجول‭ ‬فى‭ ‬الأزقة‭ ‬والقصور،‭ ‬تتعرف‭ ‬إلى‭ ‬بشر‭ ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬ببالك‭ ‬وجودهم‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬تباغتك‭ ‬الحقائق‭ ‬الميدانية،‭ ‬فتنقشع‭ ‬رؤيتك‭ ‬البدائية‭ ‬الساذجة‭ ‬للأمور‭.‬
بداية‭ ‬جيدة‭.. ‬أصبحت‭ ‬مؤهلا‭ ‬الآن‭ ‬لمرحلة‭ ‬التخصص،‭ ‬وعليك‭ ‬أن‭ ‬تختار،‭ ‬وفى‭ ‬أغلب‭ ‬الأحوال‭ ‬يفرض‭ ‬عليك‭ ‬الاختيار‭.‬
إلا‭ ‬أن‭ ‬عصر‭ ‬التسارع‭ ‬المعرفى‭ ‬الذى‭ ‬نعيش‭ ‬فيه،‭ ‬يفاجئك‭ ‬بحتمية‭ ‬أخري،‭ ‬وهى‭ ‬ضرورة‭ ‬اختيار‭ ‬تخصص‭ ‬ضمن‭ ‬التخصص،‭ ‬فداخل‭ ‬القسم‭ ‬الثقافى‭ ‬أو‭ ‬المطبوعة‭ ‬الثقافية‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬هناك‭ ‬من‭ ‬يتخصص‭ ‬فى‭ ‬المسرح،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬يختار‭ ‬السينما‭ ‬أو‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية،‭ ‬والبعض‭ ‬قد‭ ‬يفضل‭ ‬التخصص‭ ‬فى‭ ‬تغطية‭ ‬شئون‭ ‬كرة‭ ‬القدم‭ ‬أو‭ ‬الكاراتيه‭ ‬ضمن‭ ‬القسم‭ ‬الرياضي،‭ ‬وقد‭ ‬يؤثر‭ ‬البعض‭- ‬وهو‭ ‬أمر‭ ‬تنفرد‭ ‬به‭ ‬الحالة‭ ‬المصرية‭- ‬التخصص‭ ‬فى‭ ‬تغطية‭ ‬أخبار‭ ‬وزارة‭ ‬محددة،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يقضى‭ ‬أحدهم‭ ‬20‭ ‬عاماً‭ ‬أو‭ ‬يزيد‭ ‬فى‭ ‬تغطية‭ ‬متخصصة‭ ‬جداً‭ ‬لأخبار‭ ‬وزير‭ ‬أو‭ ‬مسئول‭ ‬بعينه،‭ ‬تم‭ ‬نسياته‭ ‬على‭ ‬كرسيه،‭ ‬رغم‭ ‬التغييرات‭ ‬الوزارية‭ ‬المتعاقبة‭.‬
وبقدر‭ ‬ما‭ ‬يتيح‭ ‬التخصص‭ ‬للصحفى‭ ‬معرفة‭ ‬واسعة‭ ‬فى‭ ‬مجاله،‭ ‬تؤهله‭ ‬لمتابعة‭ ‬الأخبار‭ ‬ورصدها‭ ‬وتحليلها‭ ‬بصورة‭ ‬أكثر‭ ‬دقة‭ ‬وحرفية‭.. ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعرضه‭ ‬مخالطة‭ ‬العاملين‭ ‬فى‭ ‬مجال‭ ‬معين،‭ ‬للتأثر‭ ‬بهم‭ ‬فى‭ ‬نواح‭ ‬متعددة‭.‬
وقد‭ ‬سألنى‭ ‬بعض‭ ‬الزملاء‭ ‬عن‭ ‬الفوارق‭ ‬التى‭ ‬شعرت‭ ‬بها‭ ‬أثناء‭ ‬تغطيتى‭ ‬للقطاعات‭ ‬المختلفة‭ ‬فى‭ ‬دائرة‭ ‬الأعمال‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬فراوغت‭ ‬وأجبت‭ ‬بسطحية‭ ‬شديدة‭ ‬متعمدة‭: ‬عندما‭ ‬تجمعك‭ ‬مناسبة‭ ‬ما‭ ‬بعدد‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬فى‭ ‬سوق‭ ‬المال،‭ ‬فإن‭ ‬شعورا‭ ‬يمتلكك‭ ‬فى‭ ‬استبدال‭ ‬رابطة‭ ‬عنقك‭ ‬بأخرى‭ ‬سوداء‭ ‬رفيعة‭ ‬قاتمة،‭ ‬وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الاحتفالية‭ ‬تتعلق‭ ‬بجمع‭ ‬لإحدى‭ ‬منظمات‭ ‬رجال‭ ‬الأعمال،‭ ‬فإن‭ ‬الشعور‭ ‬السابق‭ ‬سيتحول‭ ‬إلى‭ ‬رغبة‭ ‬عارمة‭ ‬فى‭ ‬شراء‭ ‬بدلة‭ ‬كاملة‭ ‬جديدة‭.‬
أما‭ ‬لو‭ ‬كنت‭ ‬من‭ ‬المتخصصين‭ ‬حديثاً‭ ‬فى‭ ‬تغطية‭ ‬سوق‭ ‬الاتصالات‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬المعلومات،‭ ‬فإن‭ ‬الأمر‭ ‬لن‭ ‬يستغرق‭ ‬منك‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أسبوعين،‭ ‬كى‭ ‬تصبح‭ ‬حيازة‭ ‬الـ‭ ‬‮«‬لاب‭ ‬توب‮»‬‭ ‬على‭ ‬قمة‭ ‬جدول‭ ‬أولوياتك،‭ ‬يليها‭ ‬باقى‭ ‬احتياجاتك‭ ‬الأخرى‭ ‬الضرورية‭ ‬كالمأكل‭ ‬والمسكن‭ ‬والمشرب
وهذه‭ ‬بالطبع‭ ‬مجرد‭ ‬أمثلة‭ ‬رمزية‭.‬
وقد‭ ‬لا‭ ‬يفطن‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يراجع‭ ‬نفسه‭ ‬طوال‭ ‬الوقت،‭ ‬وينبهها‭ ‬يوميا‭ ‬لطبيعة‭ ‬المهمة،‭ ‬التى‭ ‬يقوم‭ ‬بها،‭ ‬والمصالح‭ ‬التى‭ ‬يعبر‭ ‬عنها‭.. ‬فيقع‭ ‬فى‭ ‬الفخ،‭ ‬ويستبدل‭ ‬نفسه‭ ‬ومصالحه‭ ‬ومهمته‭ ‬بمصالح‭ ‬ومهام‭ ‬وذوات‭ ‬الآخرين‭.‬
ومكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬فى‭ ‬ذلك‭ ‬أنه‭ ‬فى‭ ‬هذه‭ ‬المهنة،‭ ‬لا‭ ‬بديل‭ ‬لديك،‭ ‬فإما‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نفسك،‭ ‬أو‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬شيئاً‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭.‬