الصحافة مهنة تمنحك بطاقة مجانية للتجوال والمعرفة.
ربما يسعدك الحظ فتبدأ فى قسم التحقيقات، فتمسح شوارع المدينة مسحا، تتجول فى الأزقة والقصور، تتعرف إلى بشر لم يخطر ببالك وجودهم من قبل، تباغتك الحقائق الميدانية، فتنقشع رؤيتك البدائية الساذجة للأمور.
بداية جيدة.. أصبحت مؤهلا الآن لمرحلة التخصص، وعليك أن تختار، وفى أغلب الأحوال يفرض عليك الاختيار.
إلا أن عصر التسارع المعرفى الذى نعيش فيه، يفاجئك بحتمية أخري، وهى ضرورة اختيار تخصص ضمن التخصص، فداخل القسم الثقافى أو المطبوعة الثقافية على سبيل المثال، هناك من يتخصص فى المسرح، أو من يختار السينما أو الفنون التشكيلية، والبعض قد يفضل التخصص فى تغطية شئون كرة القدم أو الكاراتيه ضمن القسم الرياضي، وقد يؤثر البعض- وهو أمر تنفرد به الحالة المصرية- التخصص فى تغطية أخبار وزارة محددة، بل قد يقضى أحدهم 20 عاماً أو يزيد فى تغطية متخصصة جداً لأخبار وزير أو مسئول بعينه، تم نسياته على كرسيه، رغم التغييرات الوزارية المتعاقبة.
وبقدر ما يتيح التخصص للصحفى معرفة واسعة فى مجاله، تؤهله لمتابعة الأخبار ورصدها وتحليلها بصورة أكثر دقة وحرفية.. بقدر ما تعرضه مخالطة العاملين فى مجال معين، للتأثر بهم فى نواح متعددة.
وقد سألنى بعض الزملاء عن الفوارق التى شعرت بها أثناء تغطيتى للقطاعات المختلفة فى دائرة الأعمال والاقتصاد، فراوغت وأجبت بسطحية شديدة متعمدة: عندما تجمعك مناسبة ما بعدد من العاملين فى سوق المال، فإن شعورا يمتلكك فى استبدال رابطة عنقك بأخرى سوداء رفيعة قاتمة، وإذا كانت الاحتفالية تتعلق بجمع لإحدى منظمات رجال الأعمال، فإن الشعور السابق سيتحول إلى رغبة عارمة فى شراء بدلة كاملة جديدة.
أما لو كنت من المتخصصين حديثاً فى تغطية سوق الاتصالات وتكنولوجية المعلومات، فإن الأمر لن يستغرق منك أكثر من أسبوعين، كى تصبح حيازة الـ «لاب توب» على قمة جدول أولوياتك، يليها باقى احتياجاتك الأخرى الضرورية كالمأكل والمسكن والمشرب
وهذه بالطبع مجرد أمثلة رمزية.
وقد لا يفطن من لا يراجع نفسه طوال الوقت، وينبهها يوميا لطبيعة المهمة، التى يقوم بها، والمصالح التى يعبر عنها.. فيقع فى الفخ، ويستبدل نفسه ومصالحه ومهمته بمصالح ومهام وذوات الآخرين.
ومكمن الخطورة فى ذلك أنه فى هذه المهنة، لا بديل لديك، فإما أن تكون نفسك، أو لا تكون شيئاً على الإطلاق.
حازم شريف
11:30 ص, الأحد, 22 فبراير 04
End of current post