أوثر أن أشرك القارئ معى فى تمهلى ـ أو تحسبى إن شئت ـ فى تناول مدرسة الديوان، ولعل القارئ يلحظ أننى أرجأت الحديث عن كتاب الديوان، ما وسعنى التأجيل، فما كتب فى هذا المضوع كثير، فيه القيم النفيس، وفيه ما هو أقل من قيمته أو نفاسته، وفيه من تقدم فيه الموضوع على الشخص، وفيه ما تغلبت فيه النظرة الشخصية على الموضوعية، ومن ثم فيه الصحيح وغير الصحيح، والحكم على ذلك يستوجب التمهل مع التمحيص الطويل، مع الإلمام بما فى الوسع الإلمام به قبل الخوض فى هذه المسألة، فالعقاد ورفيقاه خاضا فيها وهم فى نحو الثلاثين فالعقاد مواليد 28 يونيو 1989، وصدر كتاب الديوان فى يناير / فبراير 1921، والعقاد فى الواحد والثلاثين من العمر، كذلك إبراهيم عبد القادر المازنى، فهو مواليد 19 أغسطس 1989، أى من عمر العقاد، وعبد الرحمن شكرى أسن منهما قليلاً وإن كان بدوره دون الخامسة والثلاثين حين صدر كتاب الديوان، فهو من مواليد 12/ 10/ 1986، وهذه الأعمار لا تصادر بذاتها على الإمكانيات، وإنما تستدعى المزيد من التحميص، لا سيما وقد رأينا كما مَرَّ بنا، أن كتاب الديوان صدر حاملاً هجومًا ضاريًّا، وغير موضوعى على «عبد الرحمن شكرى» أحد الأضلاع المؤسسين لحركة الديوان، ويشهد على عدم موضوعيته اعتذار المازنى عنه اعتذارًا مشفوعًا بالإقرار بمكانة شكرى وفضله عليه على ما تقدم ذكره، وهو اعتذار لا يسحب «خطأ» صدور الكتاب حاملاً هذا التجنى، وهو خطأ شارك فيه العقاد بقبوله أن يقع هذا التجنى الغير موضوعى فى كتاب يحمل اسمه أيضًا، وزاد على ذلك أنه سكت على هذا الضيم الذى لحق رفيقهما «عبد الرحمن شكرى» قرابة أربعين عامًا حتى رثاه بعد وفاته فى 16/ 12/ 1958 على نحو ما أسلفناه، وكل هذه ملاحظات ـ مع السن ـ تستوقف النظر وتستوجب التمهل والفحص.
مع إقرار الأستاذ الدكتور محمد مندور فى كتابه «النقد والنقاد المعاصرون» بعملقة الأستاذ العقاد والمازنى وشكرى، وبأنهم من رواد التجديد الأدبى عامة والشعرى بخاصة فى النصف الأول من القرن العشرين، وإقراره بأن المازنى بلا ريب «فنان» هذا الثالوث، إذ كان على حد تعبيره أعنف الثلاثة انفعالاً وإسرافًا وتقلبًا بين عواطفه المهتاجة فى صدر حياته وقبل أن يستوى على فلسفة سافرة فى الحياة، حتى ليصح القول ـ والكلام له ـ بأن حياة المازنى (الذى توفى عام 1949) تنقسم قسمين لا تبدو عند النظرة السطحية أية علاقة بينهما، وكان المازنى نفسه شديد الإحساس بهذا الانقلاب الذى تم فى حياته حتى لنراه يؤكده فى شعره فيقول فى إحدى قصائده.
إنى أرانى قد حلت وانتسجت مع الصبا سورة من السور
وصرت غيرى فليس يعرفنى إذا رآنى صباى ذو الطرر
ولو بدا لى لبت أنكره كأننى لم أكنه فى عمرى
كأننا أثنان ليس يجمعنا فى العيش إلا تثبث الذكر
مات الفتى المازنى ثم أتى من مازن غيره على الأثر
وإذن فقد كان هناك مازنى قديم ـ فيما يقول الدكتور مندور ـ نجده فى شعره وفى معاركه النقدية بنوع خاص، ثم مازنى حديث نجده فى قصصه ومجموعات مقالاته.
كما علينا أن نتذكر ـ مع تقديرنا وحبنا للأستاذ العقاد ـ أنه مفكر عنيد يعرف ما يريد ويثبت عنده فى الغالب والأعم، وأغلب الظن بل أغلب اليقين أنه بقى إلى آخر عمره مكبلاً بالنقد العنيف الذى كاله لأحمد شوقى، وليس صحيحًا كما ظن الدكتور ماهر شفيق فريد فى تقديمه طبعة مكتبة الأسرة لكتاب الديوان أن الأستاذ العاقد عدل عن رأيه فى شوقى بالمقال الذى كتبه لمجلة الهلال فى أكتوبر 1957 عن «شوقى فى الميزان» ـ بل إن التأمل فى المقال يعكس أزمة الأستاذ العقاد العنيد بين ما أبداه سلفًا من ربع قرن، وصار أسيرًا له بنحوٍ ما، وبين حقيقة ظاهرة أن شوقى عاش، وفى مكانة سامقة، رغم هذا الهجوم العنيف عليه، وقصارى ما استطاع العقاد أن بقوله هو الإقرار ـ لشوقى بالنبوغ فى «الصنعة» ـ لاحظ الصنعة، والتمكن من الأداء. وأنه يدرج أحمد شوقى فيما أسماه «التقليد المبتكر» أو «التقليد المستقل»، وانه لم يكن من المجددين الذين يعطون من عندهم كل ما أعطوه من معنى وتعبير، وانه كان يقلد ويتصرف، وكان تصرفه يخرجه من زمرة الناقلين الناسخين ولكنه لا يسلكه فى عداد المبدعين المخالقين الذين تنطبع لهم «ملامح نفس مميزة» ـ والتمعن فى باق المقال والمقارنات التى عقدها بين شوقى والبحترى وغيره ـ إنما يورى بإهتمام الأستاذ العقاد بأن «يبرر» رأيه السالف، وأن يبرر شيوع شوقى وانتشاره رغم هذا الهجوم العنيف عليه، اما عن هذا فلم ينكره الأستاذ العقاد، بل قال عنه : بحضر اللفظ : «كان أسلوبًا يوجبه علينا أننا كنا نخترق السدود ونحارب سوء الفهم وسوء النية فى وقت واحد. فمن كان يؤمن بحق الدعوة فى أسلوبها على حسب العوامل الخلقية ـ أو النفسية ـ التى تحيط بها ـ فله أن يحقق تاريخ الفترة ليقضى لنا أو علينا فيما اخترناه من وسيلة لإبلاغ دعوتنا، ومن كان لا يؤمن بحق للعوامل الخلقية والنفسية فى هذه الدعوات فلا يعنينا ما يرى أو يقول».
وقد يجوز لنا أن نفسر أن توارى أدب المنفلوطى ومصطفى صادق الرافعى، مع مرور الزمن، لا يرجع إلى عنف الهجوم عليهما بقدر ما يرجع إلى أن أدب كل منهما لم يكن يحمل «بذرة» الصلاحية للإمتداد فى الزمن، يعكس أحمد شوقى الذى عاش ولا يزال، وفى كثير من قصائده الرائعة التى تحاش كتاب الديوان تناولها ايثارًا للمنطق الانتفائى الذى يسعف فى إبداء ما يراد أن يقال !
www. ragai2009.com