العدوان الثلاثى وانتصار الإرادة المصرية (1)

العدوان الثلاثى وانتصار الإرادة المصرية (1)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:19 ص, الأثنين, 28 أكتوبر 19

كنت فى الإجازة الصيفية بعد الانتقال من السنة الأولى إلى السنة الثانية بكلية الحقوق جامعة القاهرة، حين صافحنا عبر الإذاعة، صوت جمال عبد الناصر فى احتفال المنشية مساء 26 يوليو1956، وهو يقول: «تؤمم شركة قناة السويس العالمية شركة مساهمة مصرية».

ربما لا يستطيع أبناء الجيل الحالى أن يقدروا وقع هذه العبارة ـ أو هذا القرارـ على المصريين فى ذلك الوقت، فلم نكن قد أزحنا إلاَّ بالكاد الاحتلال الإنجليزى الذى جثم على أنفاسنا ومقدراتنا أكثر من سبعين عامًا، ولم يكن قد مَرَّ سوى أقل من عامين بعد الجلاء عن قاعدة القناة فى أكتوبر 1954، ولم يكن قد جف اجترار مأساة القناة التى بدء الحفر فيها عام 1859 بمعاول وسواعد مصرية، استشهد منهم نحو مائة وعشرين ألف مصرى أثناء الحفر، من جملة نحو مليون وخمسمائة ألف مصرى حفروا بسواعدهم هذه القناة، ثم إذا بعائدها يصب فى جيوب ومحافظ انجلترا والغرب بعامة، ولا يقنع هؤلاء بذلك، وإنما يسعون إلى مد امتياز شركة القناة العالمية، ليتواصل الاستيلاء على خير مصر !

إلتهاب الشعور الوطنى وتلاحق الأحداث

كان استرداد قناة السويس لمصر، بداية ملحمة ألهبت شعورنا، وأضجت فى الوقت نفسه مضاجع الإنجليز والفرنسيين وباقى المنتفعين بريع القناة الذى يصب فى خزائنهم ومحافظهم، ومصر محرومة منه، وتلاقى الأمرين للقيام بمشروعاتها، فتتلقى من أيام ضربة أمريكية، صلفة متعنتة، برفض البنك الدولى للإنشاء والتعمير ـ المؤتمر بأوامرها ـ تمويل بناء السد العالى، فى الوقت الذى سحبت فيه الولايات المتحدة موافقتها على المساهمة فى التمويل، ورفضت تسليح الجيش المصرى، بينما تسلح إسرائيل بما تشاء لتشن من وقت لآخر هجماتها على سيناء وغزة، ثم لا تقبل سعى مصر المشروع للحصول لجيشها وللدفاع عن أراضيها ـ على السلاح من التشيك والروس، وتنبرى وتضغط ومعها معسكرها ـ ما وسعها الضغط ـ لإلغاء الصفقة، مثلما ضغطت ما وسعها الضغط لإثنائنا عن رفضنا ومهاجمتنا لحلف بغداد، ولسياسة الأحلاف والقواعد فى منطقتنا بعامة، ثم جعلت تضغط حتى أجبرت البنك الدولى على قتل أملنا فى نماء بلادنا، فيرفض ـ بغير ذريعة ـ وتسحب هى موافقتها على المساهمة فى تمويل بناء السد العالى الذى تعقد مصر الآمال عليه فى حمايتها من الشح المائى، وزيادة الرقعة الزراعية لتحقيق الخير والنماء لشعبها الذى دفع من حياته لحفر وإتاحة «قناة السويس» ممرًّا مائيًّا لخير العالم، وتذهب عوائدها لمحافظ وخزائن ذات هؤلاء الذين صادروا على مستقبلها، وتنكروا لتمويل مشروع السد العالى، وسحبوا الموافقة على القرض الذى طلبته مصر لإقامته.

كلمة السر فى خطبة الزعيم واستلام مصر إدارة قناتها

يروى لنا حافظ إسماعيل، فى كتابه الضافى: «أمن مصر القومى فى عصر التحديات»، أنه فجر 26 يوليو 1956، كان مع عدد من قادة القوات المسلحة فى الطريق إلى الإسكندرية لحضور مؤتمر مفاجئ أخطروا فيه بما سوف يعلنه جمال عبد الناصر فى المساء بخطابه التقليدى فى عيد الثورة بميدان المنشية، وبكلمة السر المتمثلة فى إعلان قراره بالقانون 285 / 1956، لتنطلق مجموعات العمل التى شُكلت لاستلام مقرات شركة القناة فى بور سعيد وبور توفيق والإسماعيلية والقاهرة، لتولى إدارة القناة، وقد كان وأُنجزت العملية بنجاح تام فى العاشرة مساء ذلك اليوم التاريخى.

انتفاض إنجلترا وفرنسا والحلف غير المقدس لمصادرة الإرادة المصرية !

انقضَّ خبر التأميم كالصاعقة على «إيدن» فى العشاء الرسمى الذى كان يعقده لملك العراق ونورى السعيد مساء ذلك اليوم فى مقر رئيس الوزراء البريطانى (10 داوننج ستريت)، وسرعان ما استدعى بعض وزرائه ورئيس أركان الإمبراطورية والسفير الفرنسى والقائم بالأعمال الأمريكى «فوستر»، لاجتماع عاجل، ومعهم «جورج بيكو» المدير العام لشركة القناة العالمية، ورفعت القوات البريطانية درجة استعدادها فى البحر الأبيض المتوسط، وتوالت البرقيات والاتصالات والاجتماعات، لمواجهة ما سُمِّى بالقرار التعسفى لمصر، وانتقل «جون فوستر دالاس» إلى لندن فى 30 يوليو ليشارك فى اجتماعات «سلوين لويد» ووزير الخارجية الفرنسى «كريستيان بينو»، وليلتقى برئيس الوزراء البريطانى «أنتونى إيدن »، وليطلب السفير الأمريكى «بايرود» موعدًا عاجلاً مع الرئيس عبد الناصر، يبلغه فيه برسالة دالاس بالعواقب الخطيرة التى تترتب على التأميم، وليلوِّح بأن الولايات المتحدة تتصدى لرغبات حلفائها فى الحل العسكرى، وعارضًا مقترحًا أن تعلن الولايات المتحدة أنها سوف تكون مستعدة لإعادة النظر فى تمويل السد العالى إذا قبل الرئيس عبد الناصر إنشاء هيئة دولية للمنتفعين من القناة تتولى مسئولية حرية الملاحة فيها. ولكنه لم يظفر من عبد الناصر إلاَّ بالنظر فى هيئة استشارية من مستعملى القناة تتشاور معها الإدارة المصرية فيما ترى استطلاع الرأى فيه من مشروعات، كتوسيع وتعميق القناة وزيادة كفاءتها.

رفض قرار مؤتمر لندن الذى جاءت به لجنة منزيس ! وسحب المرشدين الأجانب !

بينما كانت الاستعدادات العسكرية الإنجليزية والفرنسية ـ جارية على قدم وساق، ووسط قعقعة السلاح، رفضت مصر ما جاءت به لجنة «منزيس» إلى القاهرة حاملة قرار مؤتمر لندن بتدويل القناة، وأكدت مصر حرية المرور بالقناة، وتحسين إمكانياتها لمواجهة مطالب الملاحة فى المستقبل، وعدالة الرسوم، وقيام إدارة القناة (المصرية) على كفاية فنية.

وسرعان ما تكشَّفت باقى خيوط المؤامرة، فانسحب المرشدون والفنيون الأجانب عدا اليونانيين واليوغوسلاف ـ بتحريض وتعليمات ووعود ومكافآت من شركة القناة العالمية، كيما يستند الحلف غير المقدس إلى تعطل الملاحة للتهيئة للعمل العسكرى المزمع لإعادة السيطرة على منطقة القناة وعلى القاعدة التى أخلتها بريطانيا، بدعوى حرية الملاحة بالقناة، وأنه لا ضمان لها إلاَّ بوجود سلطة دولية عليها.

ومع أن ثلاثة أرباع المرشدين الأجانب انسحبوا بين يوم وليلة، إلاَّ أن مصر تجاوزت هذه المؤامرة بمن طفقت تدربهم سريعًا من ضباط البحرية المصرية، بالإضافة إلى المرشدين اليونانيين واليوغوسلاف الذين اختاروا أن يقفوا إلى جانب مصر، بالاستمرار فى عملهم. وفشلت هذه المؤامرة، واستمرت الملاحة فى القناة، وانتصرت مصر فى أول مشاهد هذا الصراع.

[email protected]

www. ragai2009.com