أوروبا مشغولة بموجة الحر التى تجتاحها وبتغيرات فى دواخل السياسية فى فرنسا (فى البرلمان)، فى إيطاليا (فى الائتلاف الحاكم)، وفى بريطانيا (فى الانتخابات الداخلية لحزب المحافظين والتى ستُحدد رئيس الوزراء القادم). وسط حرارة الجو والسياسة يبدو الشتاء بعيدًا، خاصة أن أغلب الأوروبيين يستعدون لإجازاتهم الصيفية فى أغسطس.
لكن التفكير فى الشتاء الأوروبى القادم مهم؛ لأن هناك مشكلتين فى الأفق، الأولى هى النقص المتوقع فى واردات الطاقة الروسية لأوروبا، ومعها زيادة فى أسعار مصادر الطاقة الأخرى، وأهمها البترول. والثانية هى ضعف استعدادات أغلب دول أوروبا (باستثناء فرنسا التى تعتمد على الطاقة النووية بشكل غير قليل) لأية أزمة طاقة كبيرة.
المشكلتان تفرضان سؤالين؛ الأول هو: ما الذى سيحدث إذا- وهو المتوقع- لم تستطع أوروبا أن تجد بدائل طاقة كافية لتعويض الجزء الأكبر من الواردات من روسيا. الإجابة أنه ستكون هناك تداعيات على الصناعة وعلى أسلوب الحياة الأوروبي. أغلب المصانع، بما فيها التابع لشركات عملاقة، ستقلل إنتاجها، وهو ما قد يستدعى محاولات لتقليل تكلفة الإنتاج، بما فى ذلك تسريح موظفين. أسلوب الحياة سيتأثر من خلال الزيادة التى بدأت تظهر بوضوح فى تكلفة الطاقة، وفى احتمالية تقنين الاستهلاك- بما فى ذلك للكهرباء- فى أغلب دول أوروبا.
المشكلة الثانية هى أن ذلك الوضع سيحدث بينما أوروبا خارجة من مرحلة زادت فيها معدلات الدَّين السيادى (دين الدولة) فى أغلب دول أوروبا بشكل كبير. كما أن سياسة خلق نقود من خلال ما عُرف بالتسهيل النقدي- وهو اسم لطيف لفكرة بسيطة وهى طبع نقود بلا وجود لأى داعم من القيمة للورق النقدي- مؤدٍّ بالضرورة إلى تعديل فى السياسة النقدية- أى إلى زيادة فى سعر فوائد الاقتراض (الـinterest rates). وهذا معناه أن دول أوروبا ووراءها البنك المركزى الأوروبى لا يستطيعون مساعدة اقتصاد دولهم من خلال سياسة نقدية تسهيلية، وهو الوضع الذى ساد فى السنوات التى تلَت الأزمة المالية فى 2008.
المشكلة تتعمق إذا نظرنا إلى السياسة المالية. هناك اختلاف فى أهم اقتصادات أوروبا، بين من يرون ضرورة لخفض الضرائب فى هذه الفترة الصعبة، ومن يرون أن زيادة الدين العام بشكل كبير فى السنوات الماضية تفرض رفع عائدات الدولة، وهو ما يعنى حتمية زيادة الضرائب.
الواقع أن بعض دول أوروبا- مثل بريطانيا وألمانيا- لديهم تراكم ثروة وقدرات تصديرية تعطيهم هامش حركة لعدد من الشهور. لكن موقف أغلب دول أوروبا الأخرى أصعب، خاصة أن سوق السندات العالمي- وهو القوة الحاكمة الحقيقية فى الجزء الأكبر من الاقتصاد العالمي- لن تتعاطف مع أية دولة يبدو اقتصادها (وعليه، سنداتها) فى موقف قابل للمشكلات. نتيجة ذلك أن الاحتمالية الأكبر فى السياسة المالية لأغلب دول أوروبا فى السنة المقبلة هى رفع الضرائب، حتى وإن نفى أغلب السياسيين ذلك.
سعر الفوائد واتجاهات الضرائب قرارات سياسية بالدرجة الأولى؛ لأنها فى أية دولة ذات انتخابات جادة، ذات تأثير رئيسى على اختيارات الناس فى الانتخابات، وعليه على استمرار أية حكومة أو حزب أو رئيس.
لذلك هناك اختلافات داخل أوروبا حول هذه القرارات. وإذا كان البنك المركزى الأوروبى هو صاحب الكلمة النهائية فى السياسة النقدية، فإن السياسة المالية متوزعة، كلّ حسب وضعه واتجاهاته.
الصعوبات الاقتصادية والاختلافات فى طريقة التعامل معها مؤدية لا شك إلى فروقات داخل أوروبا حول أصل المشكلة، وهو الموقف الأوروبى من الصراع الإستراتيجى الآن بين الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وبين روسيا (ومعها إلى حد معقول، الصين).
أغلب دول أوروبا لديها قناعة بضرورة تحجيم القوة الروسية على حدود الاتحاد الأوروبي. كما أن الولايات المتحدة جعلت من إضعاف روسيا على الجبهة الأوكرانية هدفًا رئيسيًّا للتحالف الغربي. بالإضافة إلى ذلك هناك جوانب تاريخية. أوروبا (أو أغلب دولها على الأقل) لديها خوف تاريخى من أى تحرك عسكرى روسى على الشرق متجه نحو الغرب، وتلك تكاد تكون عقدة عميقة فى الوجدان الأوروبي.
لكن، مع كل تلك العوامل، فإن هناك دولًا فى الشرق الأوروبي- معدودة ولكن ذات صوت مسموع – ترى الموقف من روسيا من زوايا مختلفة، وتريد هوامش حركة أوسع كثيرًا مما يُتيحه الوضع الحالى. وقبل وبعد كل ذلك، فإن أهم دول أوروبا تعودت لعقود على درجات عالية جدًّا من الرفاهية الاقتصادية تجعل الأوضاع المحتملة فى الشهور المقبلة تبدو خطرًا لم تتعود أوروبا على مثله منذ الخمسينات.
لذلك فإن درجة صعوبة الموقف الاقتصادى فى أوروبا، هذا الشتاء، ستُحدد احتمالية وسرعة ظهور الشقاق ودرجته داخل المعسكر الغربى.
* كاتب مصرى مقيم فى لندن