الشعب كشريك مؤثر!

الشعب كشريك مؤثر!
محمد بكري

محمد بكري

6:20 ص, الثلاثاء, 25 أكتوبر 22

يشهد العالم مع بدايات 2022 حزمة تغيرات سياسية وعسكرية ومناخية عالمية، غيرت من موازين القوى الدولية، والسياسات المالية، واستحدثت تحالفات وضمورا لأخرى، وتغاير لواقع اقتصادى مستقر لعشرات السنين، لتصبح المرحلة عصر القيادات القوية لا الشعوب الحاكمة، رغم فوران الأخيرة بدرجات مختلفة فى شتى أنحاء المعمورة. تتجمع وتتصاعد الأحداث مع تطور الحرب الروسية الأوكرانية وضم بوتين للشتاء والبرد ضمن أسلحته الاستراتيجية ضد أوروبا وتأثيرها على علاقاتها بأمريكا! بجانب تحرك التنين الصينى تجاه تايوان لضرب المصالح التكنولوجية الأمريكية، وشروق الربيع الفرنسى، والخلل الإنجليزى، والتوجس الأسكندنافي. على صعيد آخر انتقلت عدوى التغيير للشارع الإيرانى، والغليان الليبى، والصراع الجزائرى المغربى فى الصحراء المغربية والبوليساريو، وخروج السعودية عن الطوق الأمريكى، وغيرها من المناطق الساخنة بالعالم.

ولا يجادل غير مكابر، بأن أحداث العالم أصبحت تتشابك وتتقاطع وتتداخل، ضمن خارطة تلاعب دولية مُحكمة، بدأت مع انتهاء النظام العالمى الجديد بظهور “كورونا”، ليبدأ “النظام العالمى الأجدد” – كما أطلقت عليه – منذ سفور “مشروع كورونا” عن تهيئة الشعوب للأحداث العظام التالية! كما لو كانت ترجمة واقعية للمسلسل الأمريكى الغامض “عائلة سمبسون”! أو تحديثا لنبوءات العراف الفرنسى الشهير نوستراداموس! تزامن الأزمات وانتقال الفوضى بين الشعوب وإعادة تقسيم التحالفات الدولية، ليس مصادفة أو تواترا أو تداعيا، ولكن مشروعا عالميا قويا يمهد لنظام يخلف القائم، بأدوات وأشكال جديدة.

فى يناير 2021 كتبت معالجة درامية لفيلم (الخنجر) عن العالم سنة 2084، فى أحداث تدور بين العريش وأبوظبى ونيوم وإسراطين ونيويورك! توقعت فيها ما يعرف بحلول “اتحاد دول العالم” محل “الأمم المتحدة”، وظهور “منظمة الشعوب المتحدة”. القصة خيالية، ولكنها تستشرف مستقبل الصراع بين الحكومات والشعوب فى زمن الذكاء الصناعى، أخلاقيات بناء الروبوتات، زيارات الفضاء، اللحوم المزروعة مخبريا، روبوتات عمليات التعدين بالكويكبات الفضائية إلخ. رؤية الفيلم المستقبلى ترصد تشويش ذاكرة الشعوب وتغييرها، لتدمير مفاهيم السلام والوفاق للشعوب للقضاء على منظمتهم، مقابل مصالح وسيطرة واحتكار اتحاد دول العالم، لحرمان الأرض من خيرات الفضاء وتحويل الشعوب لعبيد من نوع جديد!

إن سرعة وتيرة الأحداث واستحكام فعاليات مشروع النظام العالمى الأجدد، بالتزامن مع نجاح “مشروع كورونا” لترويض الشعوب، والتطور التكنولوجى الجامح، مع تصاعد جرعة تغييب الشعوب باغتصاب مكونات الوعى الجمعى العالمى (الثقافة/الفن/التعليم/الدين/الإعلام/الاقتصاد)، سيصيب بالنحر والتصحر تأثير الشعوب فى حكم نفسها بوعى، وتفعيل الديموقراطية الليبرالية أو النيابية أو المباشرة! وهو ما قد ينقذه يوما ما “منظمة الشعوب المتحدة” أمام حكومات الدول، التى تشرع من الآن فى إعادة ترتيب الأوراق والتعامل مع البشر كأرقام ومعطيات فى معادلة القوة والربح، وليس كأرواح ومستقبل وأجيال تكمل عمار الأرض.

إن التفكر فى الشعب كشريك مؤثر، يحتم التعامل معه بعدة مستويات تستهدف إما إنقاذه ورد وعيه له، أو زيادة توريطه فى قطعان التبعية والتقليد، ومنافرة الإبداع والتجديد. ومن الأمانة القول إن تأثير الشعب فى منظومة الحكم وما يصيبه، سواء من خلال مجالسه النيابية أو أحزابه أو الشارع، يتوقف بدرجة خطيرة على وعيه الجمعى السياسى، والثقافى، والتعليمى، والديني. إن نتيجة نحت أو ضمور أو تفسخ أو تقوية أو نضج هذا الوعى، تظهر مباشرة فى درجة تأثره بالتفاعل الإيجابى أو السلبى مع آليات عمل الحكومة (قوانين ونظم وقرارات وسياسات)، لتكون محصلة ذلك تأثير الشعب – سلبا أو إيجابا – على أداء الحكومة وتمكينها من دورها. يؤثر فساد وعى الشعب على وعى ممثليه وإعلامه فى التعامل مع الشارع أو المواطن الحقيقى وليس النخبة أو المثقفين أو الطبقة المتوسطة.

من هنا كان حتميا اعتبار وتدبر تأثير الفصائل المسممة من الشعب على بقيته، خاصة إذا كانت أداة هذا التأثير هى الإعلام وإساءة استخدام السوشيال ميديا، وعدم مقابلتها من الحكومات بمنهجيات الامتصاص، والشفافية، وتعديل الخطاب السياسى، وتحجيم جماعات الضغط، وتقديم محترف لإنجازات موثقة، واعتراف صادق بالسلبيات، وفتح الباب لمقدمى حلولها أو حتى سماعها باحترام وموضوعية، وتشكيل كيان لإدارة الأزمة لوقت معلوم.

لا مناص من الاعتراف بقوة تأثير الشعب على وجود الحكومات! هذا التأثير قد يتدرج من النقد المشروع والموضوعى بغية الإصلاح، وقد يتطور للتغيير باليد إما عند ظلم الحاكم او فساد وإفساد وعى الشعب والتلاعب به! خاصة إذا صادفت الدولة بوادر نماء أو تنمية وقوة فى وقت صعب، بتكلفة باهظة وشدة ضبط ونتائج مشهودة بعضها أثمر وبعضها ينتظر!

عندما قال خالد بن الوليد (إنَّ عُمَر اسْتَعْمَلنى على الشام وهو له مُهِمٌّ، فلما أَلْقَى الشامُ بَوانِيَه وصارَ بَثَنِيَّةً وعسلاً عزَلنى واستعمل غيري) – والقياس مع الفارق – جعل غياب او ضبابية تفاعل الحكومات مع فساد وتفسد الوعى الشعبى، عرضة للمواجهات غير المحسوبة فى غير صالح الطرفين وتنسم شبح بن الوليد! جزء كبير من اتاحة الفرصة للتأثير السلبى للسوس الإعلامى والرقمى، وتجاهل تغوله بدعم الطابور الخامس، واحتياج الحكومات إلى رؤية بانورامية لإدارة ومحاصرة هذا التأثير، يُخرج هذا التأثير السلبى من دائرة مشاركة الحكم، ليدخله لحلبة الفوضى، مع فوران ترتيبات النظام العالمى الأجدد!

فرق كبير بين عهد فاسد متفسخ بدون إنجازات أو تطوير وطغيان مقنن، وبين عهد قاسٍ، صارم، يتبنى الغُنم بالغُرم كسياسة فى اقتصاد الحرب، وحقق لمجتمعه تطويرا قابلا للتقييم والقياس، ولو كانت فاتورته أكثر قسوة. هنا الشعب ليس بعُمر! ولكن هناك من يتربص ليقطف العسل والبثنة، على أنقاض خالد، فى أحرج وقت يحتاج لسيفه!

لم يحن بعد عهد “منظمة الشعوب المتحدة”، طالما تأثير وعيها بيد إعلام وتعليم مأجورين، وثقافة وفن مسممين، ومتدينين وفتاوى يستعيدون صكوك الغفران! وهو ما يجعل الآن أدعى ما يكون لاستعادة الشريك باحترافية، لا تقل عن لصوص العسل والبثنة!

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]