كان شكسبير فى حومة كل هذه المذاهب والآراء والخلافات، وكانت كلها فيما يقول الأستاذ العقاد فى ميزانه بأقدارها وأثقالها، ولم يكن مختل الوزن بين كفتيها.
هل كان بابويا أو بروتستانيَّا أو منشقًّا على الكنيسة أو متبعًا لنحلة من نحل المنشقين عليها أو من المتطهرين أو من الإنسانيين وهل كان على عقيدة أو مفكرًا لا يؤمن بدين؟
يقول القس الكاثوليكى «دافيز ريتشارد» (المتوفى سنة 1056م)، إنه مات على مذهب الكنيسة البابوية، ودون ذلك فى أوراقه التى وُجدت بعد موته ولم يعدها للنشر. بينما يقول المؤرخ الذى تولى التراث الشكسبيرى «فريب Fripp» المتوفى سنة 1931: إنه كان من غلاة البروتستانت، وغير هذين من يقول غير هذا وذاك، ولكنهم جميعًا يأخذون بالاستنتاج والقرينة ولا يذكرون خبرًا قاطعًا عن مذهب معلوم.
وفيما عدا القرائن البادى من استعراض الأستاذ العقاد لها أنها واهية، يرى بعض المعقبين ــ فيما يضيف «أنه كان بابويًا لأنه كان يغمز أتباع البروتستانتية فى رواياته الفكاهية ويعرضهم على صورة من صور السخرية والاستخفاف، كما يلوح من صورة سير ناثنائيل فى رواية «عناء الحب الضائع»، وصورة سير أوليفر مارتكست فى رواية «كما تهوى» وفى صورة سير هوج إيفانز فى رواية «زوجات وندسور المرحات»، وأنه كان يمقت النحل المنشقة كما جاء في رواية «الليلة الثانية عشرة «إذ يقول: «لست سياسيًّا. وإنى لأوثر أن أكون براونيًّا على أن أكون فى زمرة الساسة!».
«والبراونيون هم أتباع روبرت براون الذى كان ينكر قوامة الأساقفة ويخول كل طائفة متعبدة أن تنشئ معبدها حيث شاءت وتختار له الوعاظ والقساوسة مستقلين عن أحبار الكنيسة ورؤساء الدولة.
«إلاَّ أن الشاعر كان يلقى على ألسنة أبطاله ما يناسبهم من القول على حسب الموقف أو على حسب مدار الحوار، وقد جعل الملك جون يقول لبندلف رسول البابا إنه لا يسمح للإيطاليين برئاسة الدين تحت سلطانه المستمد من السماء، ولما قال له فيليب ملك فرنسا: إنك تجدف أيها الأخ! أجابه معرِّضًا بالرشوة والفساد فى الوصايا البابوية!
«وليس لشكسبير رأى فى مذهب المتطهرين ولا فى مذهب الإنسانيين على غير هذا المثال الذى يتبعه فى إملاء الآراء على ألسنة المتكلمين حسب مواقفهم وأدوارهم فى الروايات، وإنما المرجع إلى قرائن الرأى إن كانت فيها قرينة من لهجة الخطاب يحس منها القارئ أنه مفرغ فى قالب الموافقة والارتياح أو مفروض على المؤلف بمقتضى المقام على حكم الحوار.
«إلاَّ أن الآراء فى كلامه على مذهب المتطهرين ومذهب الإنسانيين لا تحتاج إلى عناء كبير في الموازنة والاستنتاج، لأنها غير مقصورة على المواقف فى بعض الروايات، بل هى قرائن مجتمعة نستمدها من عمله كله ومن حياته كلها، ومما قاله على لسان غيره ومما لا حاجة به إلى قول» ويخلص الأستاذ العقاد إلى أن الشاعر ليس فى حاجة لإثبات أنه «إنسانى» فى عقيدته وتفكيره، فإنه يؤمن بكل ما احتواه المذهب من عقيدة أو فكرة، إذ آمن بإحياء الفنون والإقبال على الحياة ومعرفة حدود الطبيعة الإنسانية، ومن ثم فهو أكبر من مؤمن بهذا المذهب وأكبر من مجرد أن يكون مستجيبًا فيه إلى دعوة السابقين، بل هو ركن من أركان النهضة الإنسانية بعمله وسيرته وإن لم يشرحها بحجته وبيانه.
ويرى الأستاذ العقاد «أن النهضة الإنسانية تقاس به قبل أن يقاس بها، لأنه يحتويها ولا تحتويه كله فى عقيدته وتفكيره، ولأنه يمضى معها إلى حدودها الصالحة ولا يجاوزها إلى ما وراءها، وهو القائل بلسان هملت: «إن فى السماء والأرض أمورًا أعظم مما تحلم به فلسفتك يا هوراشيو»… وهو الذى بلغ بالإنسانية إلى قرارها حيث يتمنى الإنسان أن يستبدل بها مسلاخ القرد، وحيث يصبح الإنسان إنسانًا زائفًا بالمشابهة والمحاكاة.
«وهكذا يصدق طبعه فى موقفه من فلسفة الإنسانيين كما صدق طبعه فى مواقفه من مذاهب المتطهرين والبابويين والمنشقين والبروتستانت أو المحتجين على اختلاف الدعاة وأسباب الاجتماع، فهى كلها فى ميزانه بأقدارها وأثقالها، وليس هو بالحائر المضطرب بين كفتيها.
ويضيف الأستاذ العقاد أنه لا يُعلم من كلام شكسبير أنه كان مطلعًا على كتب دينه وأنه يكاد يستظهر أسفار العهدين القديم والجديد بحروفها، ولكن هذا معلوم من أسلوبه ومن تركيب عباراته فى نصوص ترجمة الكتاب المقدس فى القرن السادس عشر التى ظهرت قبل مولده بخمس سنوات، ومن ترجمة القرن السابع عشر التى ظهرت قبل وفاته بعشر سنوات، واطلاعه على هذه النصوص إطلاع من يفهم ويحفظ ويضع المشهد الموافق فى مكان الحاجة إليه.
www. ragai2009.com