كثر الكلام فى المشابهة بين عبارات شكسبير وعبارات باكون بعد ظهور الرسائل التى طبعتها إحدى قريباته فى حياته، وظهرت كتب فى هذا المعنى لمؤلفين مجهولين والمظنون أن مؤلفها هو ذاته «القس ويلموت»، وأخفى اسمه خوفًا من الدخول بمكانته الدينية فى لجاج هذه الخصومات فى ذلك الموضوع المثير.
ويقول الأستاذ إن «اسم لورد أكسفورد كان آخر الأسماء المختارة من طبقات النبلاء فى عصر شكسبير لكتابة المؤلفات المنسوبة إليه، ثم بقيت الدعوى وتغير الاتجاه فى اختيار الأسماء فظهر فى سنة 1956 كتاب عنوانه «الرجل الذى كان شكسبير The Man Who Shakespeare بقلم كلفن هوفمان Calvin Hoffman وهو ينقل هذه الدعوى من سلك النبلاء إلى سلك الأدباء، ويرشح الشاعر مارلو Marloew لكتابة الروايات والقصائد ولكنه يقول إن «مارلو» كتبها متخفيًا لأنه كان مطاردا على خطر من الاعتقال والموت، فكتب اسمه على قبر بحار يعرفه وظل متخفيًا فى زاوية مجهولة حتى مات فانقطع شكسبير عن التأليف».
ومن مساوئ هذه الدعاوى ــ فيما يقول الأستاذ العقاد ــ أنها تجتذب إليها المتهوسين وعشاق الأفانين كما تجذب إليها المولعين بفض الأغلاق وحل الرموز والألغاز، فينحرف البحث فيها عن سوائه ويشترك فيه طلاب الحقائق وطلاب الحيل وضروب المهارة والتوفيق بين الغرائب والأقاويل.
وهكذا اقتحم هذه المباحث من به هوس، ومنهم من كان يكتب حكايات الشرطة واللصوص وحكايات التزييف والتضليل، ومنهم من كان يشتغل بالجاسوسية الدولية، وقل فى أسانيدهم جميعًا ما يستحق التوقف عنده وإطالة النظر فيه.
ويرد الأستاذ العقاد أسانيد هؤلاء إلى ثلاثة صنوف.
أولها وأضعفها باب الرموز والحروف المدسوسة بين الأسطر، وهذه يصعب نقلها من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية لإرتباط الهجاء بالمعنى فى الرموز التى يستدلون بها على الأسماء والكتابات.
هذا ولا يوجد بين علماء اللغة وخبراء الأدب من أقام وزنًا لقرينة من قرائن الجفر ( علم الغيب والأسرار عند الشيعة ) والرموز ووسيلة التحقيق عند علماء اللغة وخبراء الأدب والنقد ؛ أن يقابلوا بين الأساليب والموضوعات، فهى أدنى إلى الجد والسداد، وأكثرهم يرى بعد المقارنات الطويلة أن تشابه العبارات لا يثبت شيئًا، وأن لوازم العصر قد تشيع فى تعبيرات الأقلام كما تشيع فى أحاديث الألسنة، فيكثر التشابه فى الأنماط والعبارات وتتوالد الصيغ والقوالب.
ومما يذكر فى جانب شكسبير ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ إنه كان ينقل الخطب والأحاديث بنصوصها من تراجم بلوتارك كما نقلت إلى اللغة الإنجليزية ، وأنه كان يستطيع ذلك دون أن يحتاج إلى أقلام باكون أو روتلاند أو أكسفورد أو مارلو أو غيرهم من علماء عصره، لأنهم أحرى أن يرجعوا إلى المصادر الأولى إذا احتاجوا إلى التأليف.
على أن تشابه الألفاظ والعبارات بين كتاب العصر ـ يقابله «الإجماع» على تباعد «الروح» بين كتابة باكون وكتابة شكسبير، وليس هذا الفارق الواضح عسيرًا على الثبوت بالبرهان.
ويكاد يكون الرأى الغالب عند جلة النقاد أن شكسبير لم يكتب كل ما فى المجموعة من نظم ونثر، وأن هناك أقلامًا شتى تنم عليها بعض الفصول أحيانًا وبعض المناظر أحيانًا أخرى.
على أنه إذا صحت هذه الآراء ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ فإنها أدعى إلى الاستغراب من خفاء أمر المؤلفين المتسترين، ولا بد من سؤال آخر يضاف إلى تلك الأسئلة وهو : لماذا يحتاج النبيل المتخفى إلى ترقيع كتابته بكلام أديب آخر دون طبقته فى الأدب وفى المنزلة الاجتماعية فضلاً عن اطلاعه على السر الذى يخفيه ؟ ولماذا يستعير من المؤلفات المهجورة إذا كانت شهوة التأليف باعثه الوحيد إلى الكتابة ؟
وإذا كان شكسبير هو صاحب التأليف المسئول عن إعداد المسرحيات للتمثيل، فقد تزول الغرابة بإحالتها إلى ضرورات المسرح أو إلى طبع المجموعة بعد وفاته، ولكنهـا تلجئنا إلى تفسيرات غير مفهومة إذا كانت المجموعة من عمل نبيل يهوى الكتابة ولا يحترف التمثيل.
www. ragai2009.com