وتبدو عبقرية شكسبير فى استكناهه بواطن النفس ومحاكاتها على حقيقتها، من أن الأقدمين. وإن عرفوا حالات الجنون والبلاهة، إلاَّ أن هذه الحالات لم تعرف بتفصيلاتها وعوارضها التى تميزت بها قبل شيوع الدراسات النفسية على منهج العلم الحديث.
وأعرف العارفين اليوم بدخائل العلل النفسية ، هم فيما يقول الأستاذ العقاد ـ الذين يستطيعون مراقبة العلل فى مظهريها المختلفين : مظهر الشخصية المريضة، ومظهر الإنسان الصحيح الذى يصاب بلوثة من الخبل والانحراف فتشاهد آثارها فى توجيه أفكاره وأعماله.
ولا شك أن هذين المظهرين مختلفان، فالشخصية المريضة وحدة مشتبكة ترتبط فيها بعض الأعراض ويتلازم بعض البواعث، وتكاد هذه الشخصية المصابة بعلة من العلل أن تنفرد بلوازمها وأعراضها. فمريض العظمة ـ مثلاً ـ غير مريض السوداء، بل ويختلف أحيانًا مرضى الإجرام فيما يرتكبونه من جرائم.
أما الشخصية التى تعتريها لوثة من الخبل والانحراف، فقد ينحرف مسلكها فيما يتصل بهذه اللوثة، ولكنها بقعة طارئة وليست من مزاج الشخصية وتركيبها.
وقصارى ما يملكه الطبيب النفسى أن يدرك صورة الشخصية المعتلة فلا يخلط بين بواعثها وأعمالها وبين البواعث والأعمال لشخصية مصابة بعلة أخرى. أما فى أمر العلة الطارئة، فإن قصارى ما يستطيعه أن يدرك موقعها من النفس وعلاقتها بالأعمال والبواعث التى تأثرت بها .
ويذكر الأستاذ العقاد، أنه منذ بدأت الدراسات النفسية فى أواخر القرن الثامن عشر ــ نشأت فى عالم الأدب مدرسة النقد التحليلى التى جعلت قوامها تحليل الأدب والأدباء من الناحية النفسية، واتخذت صدق التعبير عن النفس معيارًا لملكات الأديب، كما اتخذت أمانته للطبيعة معيارًا لقدرته على حسن الأداء.
«ولم يكن اصطلاح العقل الباطن معروفًا فى أواخر القرن الثامن عشر، ولكن الناقد المحلل «وليام هوايتر» ذكره باسم البواعث والنيات الخفية أو العميقة فى كتابه الذى ألفه سنة 1794 وسماه نموذجًا من التعقيب على شكسبير، فكان مداره على النوازع الكامنة وراء أعمال الأبطال والبطلات وأقوالهم فى المسرحيات، وتبينت له هذه النوازع كما تتبين نوازع الأعمال والأقوال التى ينساق إليها الأحياء بدافع من دوافع الشعور، يطيعونه وقل أن يدركوه».
وبعد قرن كامل من كتاب «هوايتر» وأشباهه فى البحوث والدراسات، وقر فى روع الجيل كله ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ أن العالم الحديث مصاب بداء الانحلال والاضمحلال، فشاعت على الألسنة كلمة «آخر زمن Fin de sicéle «؛ وطفق المتكلمون يرددونها كلما سمعوا عن خبر من أخبار الغرائب والبدوات التى يحسبونها من علامات الانحلال والاضمحلال، وظهر فى هذه الفترة كتاب «الانحلال والاضمحلال» Degénération لمؤلفه الطبيب الكاتب
«الألمانى ماكس نورداو Nordau» يقرر فيه أن أخلاق الجيل تنم حقًا على انحلاله واضمحلاله، ولكنه يستدل بذلك على أول العلامات فى نظره وهو تفسيرهم عيوب الأخلاق والآراء بنهاية القرن، ولا يقال من أجل ذلك إن العالم يحبو فى طفولته أو يدب إلى شيخوخته أو يعتدل فى عنفوان الكهولة والاستواء، وإنما هى مقابلة بين الأدباء الأقدمين والمحدثين فيما بين المرض والصحة وبين الانحراف والطبيعة المستقيمة، واتخذ نورداو شواهده من أبطال شكسبير مستندًا إلى حقائق الطب والأدب، فقال ــ فيما قال ــ إننا نستطيع أن نتحرى أعراض هوس الاضطهاد وأعراض العته ــ مثلاً ـــ من «شخصية» هملت وشخصية لير، كما نتحراها فى الشخصيات الحية التى تروح وتغدو بيننا فى معترك الحياة.
* * *
وتقدم العلم فى القرن العشرين تقدمًا حثيثًا فى البحوث النفسية وتطبيقاتها على الفن والأدب، وكلما نجحت نظرية طبقها النقاد على شخوص شكسبير فى أعماله.
وجاء العالم النفسانى أرنست جونس Jones، فألف كتابه المشهور عن سر هملت وعقدة أوديب وشرح فيه أعراض هذه العقدة فى المصابين بها، فكان خلاصة رأيه أن تصرف هملت يطابق تمام المطابقة تصرف الغيور الذى يتردد فى الانتقام من غريمه لأنه يكره أن يصارح نفسه بسبب غيرته، وأنه كان يحس أن يمقت عمه لسبب آخر غير قتله لأبيه، وهو مزاحمته إياه فى حب أمه، فلا يندفع إلى قتله لأنه لا يملك إرادته التى شلها هاجس الإثم فى أعماق سريرته، وأوفى وأحدث من هذا البحث ـ فيما يضيف الأستاذ العقاد ـ هو كتاب «إيلا شارب» الذى ظهر فى سنة 1950 عن وجهة نظر التحليل النفسانى فى شكسبير؛ فإنه قد ألم بشخوص أخرى على هذا النحو، تصدق فيها فروض علم النفس على شخوص شكسبير كما تصدق على الأحياء.
ومن العلماء الذين التفتوا إلى تحقيق هذه المشابهات ـ فيما يقول ـ الدكتور فردريك ورثام wertham، وقد عرضت عليه قضية الفتى الإيطالى جينو الذى قتل أمه وهو فى السابعة عشرة لأنه أنكر سلوكها بعد موت أبيه، فأخذ فى استقصاء أحوال الفتى القاتل منذ خطر له خاطر القتل إلى أن أقدم على تنفيذ جريمته فى مخدع أمه، فإذا الفتى الإيطالى نسخة حديثة من هملت دون أن يسمع به أو يطلع على قصته، وإذا هما متماثلان فى خواطر التردد التى انتهت بالقتل فى قضية جينو ووقفت دونه فى مناظر المسرحية؛ لأن الأمير هملت أنف أن يكون شبيهًا بالطاغية نيرون فى فتكه وقسوته، وتشابه جينو وهملت عدا ذلك فى عوارض القضية وأوهامها، وأخصها اعتقاد كل منهما أن طيف أبيه يلاحقه ليحضه على الانتقام.
www. ragai2009.com