التعريف بشكسبير (16)

التعريف بشكسبير (16)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:29 ص, الأثنين, 30 سبتمبر 19

أطال النقاد النقاش فى نقد شكسبير وتشعبت بهم نواحيه إلى قسمين: قسم تتقارب فيه وجهات النظر لأنه أشبه بوصف الواقع، وهو ما يخص خصائص الأداء من لفظ وأسلوب وطريقة تنظيم للمناظر والأدوار.

وقسم آخر هو الذى يطول فيه النظر، وهو الحديث عن المزايا العليا التى امتازت بها عبقرية شكسبير.

* * *

والكلام عن الأداء من ناحية الألفاظ والمفردات، مسألة إحصاء، وكانت مفردات شكسبير تزيد على المفردات فى كتابات كل أديب يكتب بالإنجليزية من قبل القرن السادس عشر إلى اليوم. ويبلغ عددها ستة عشر ألف كلمة، يدخل منها فيما يقول الأستاذ العقاد نحو عشرة آلاف فى المعجمات الخاصة التى تعرف بمصطلحات شكسبير.

وسر هذه الكثرة فيما يرى أن شكسبير كتب فى العصر المتوسط بين ابتداء الكتابة باللغة الإنجليزية وبين شيوعها والاقتصار عليها فى موضوعات الفن والأدب الثقافة. هذا إلى أن شكسبير أكثر من استخدام الكلمات الشائعة فى لهجات المدن ولهجات القرى من الأقاليم الوسطى، وكان يفضل الاقتباس من هذه اللهجات كلما اقتبس الكتّاب المعاصرون من اللاتينية أو الإغريقية، حيث لم يكن واسع المحصول من مفردات هاتين اللغتين.

أما أسلوبه فى تركيب المفردات، فالغالب عليه فى أول عهده بالتأليف المسرحى أن يجنح إلى التفخيم والتأثير، وأن يودع العبارة أقصى ما تحمله من المعنى الصريح والإشارات الخفية.

وكان من الطبيعى فيما يرى الأستاذ العقاد أن تغلب عليه هذه النزعة فى أول عهده بالتأليف المسرحى، لأنه كتب للمسرح فى عهدٍ لم تخلص فيه الأذهان من قصص البطولة والقداسة، وبدأ كتابته باللغة الدارجة فلم يكن أمامه بد فى حديثها عن البطولة والقداسة من أن ينفض عنها غبار الابتذال والسوقية بشىء من تفخيم الخطاب والمجاز.

* * *

ويلاحظ الأستاذ العقاد أنه عند عرض أعماله فى تسلسلها التاريخى، انه كان يميل إلى السلاسة والبساطة فى مسرحياته ومنظوماته الأخيرة، وكان أسرع إلى ذلك فى المنظومات ثم فى روايات الملهاة ثم فى روايات المأساة.

ويقـول «هاليداى Halliday» (كاتـب أكاديمـى أيرلنـدى توفى سنة 2010). فى كتابه «شكسبير والنقاد» إن النماذج المختارة لشكسبير تبدى من وجهة الصنعة والأداء تطوره فى النظم من دوى السطر ذى المقاطع العشرة الذى اختاره «مالرو» إلى الأداة المرنة الموفقة فى المآسى والقصص.

ثم يقول عن النثر بعد الاستشهاد ببعض النماذج: «إن هذه النماذج تبدى لنا تطورًا شبيهًا بالتطور الذى أشرنا إليه فى النظم انتقالاً من الجفاف والحرص على النمط إلى الرشاقة والسجية الظاهرة، وانتقالاً من صنعة ليلى Lily وشقشقة «الحب الضائع» إلى الحديث المصقول فى براعة ويسر على لسان بنديك ولسان بتريس إلى ما هو أيسر من ذلك وأسلس فى حوار هملت أو الحديث السهل النبيل فى فاجعة ماكبث. وما نقوله هنا تعميم سريع، إذ لا شك أن تطور النثر من حيث هو أداة مسرحية أقل بروزًا من تطور القصيد وأقل انتظامًا واطرادًا منه فلا يمتنع أن تبدو السهولة فى كتابته الأولى أو تبدو الكلفة فى كتابته الأخيرة، إلاَّ أن الكتابة الأولى على وجه التعميم أقرب إلى اليبوسة والكلفة والتضلع أو نتوء الزوايا فى حين تبدو الكتابة الأخيرة أقرب إلى المرونة والتنوع والخفة، أو هى فى كلمة واحدة أقرب إلى الصبغة المسرحية».

* * *

وتتقارب وجهات النظر فى بيان معالم الطريق فيما يرى الأستاذ العقاد خلال هذا التطور، وقد أجملها الدكتور «هريسون» مقدم المسرحيات وصاحب الرسالة الممتعة فى تقديم شكسبير، فى أن: «أسلوبه الأول يتميز بغير مشقة، فالأوزان فيه ملحوظة بدقة وانتظام، والقافية فيه متبعة يفضل منها ذات الأسطر المتخالفة على المثانى المتتابعة، وبين حين وحين يدخل الموشحة فى الحوار، ويكثر فى الملهيات من الكلم البارع وبخاصة فى الحوار بين الفتيان حتى ليضجر السامع لسرعة التبدل فى الأذواق، ويتدفق ثمة حشد النكات المركبة مع استخدام الصور الخيالية حبًّا لها لا لتوضيح الفكرة أو مضاعفة التأثير. أما فى المآسى والتاريخيات منها بصفة خاصة فإنه يعمد إلى اللفظ الطنان ويودعه من أقوال البطولة ما ليس من ضرورات المقام غير أنه لم يزل يؤثر العبارة الجميلة على الصياغة المسرحية.

«ثم يقول: «إن أحسن عاداته وأسوأها فى مسرحياته قبل النضج تتراءى فى أجمل مسرحياته الباكرة روميو وجولييت…»

«ويمضى فيقول ما فحواه: «إن أسلوبه الأول اختفى سريعًا مع زيادة الخبرة والقدرة على الأداء. وفى سنة 1596 كتب تاجر البندقية فكان فيها حواره الجدى خيرًا من مساجلاته الفكاهية… وبعد تسعة أشهر على التقريب كتب الجزء الأول من هنرى الرابع فكان لأول مرة مسيطرًا كل السيطرة على أداة تعبيره، وتعددت فى الرواية شخوصها المختلفة فكان لكل منها أسلوبه يلائمه ويحكيه… وبعد ذلك كتب روايته «عبد الله المغربى» فلعلها كانت أتم المسرحيات فى بنائها وتكوينها، وأوفاها لجلاء أساليبه الأربعة فى الشعر الغنائى وفى القافية وفى الشعر المرسل وفى النثر… ولما كانت سنة 1606 كتـب ليـر وماكبث، فجاءت أولاهما عصية على المطالعة لتركيز الفكر فيها لا لغرابة مفرداتها، ولاستخدام الكلمة والصورة الخيالية معًا للإعراب عن معنى لا يسهل الإعراب عنه.. ومضت فترة ندرت فيها كتابة شكسبير… غير أن الحوار فى نادرة الشتاء يرينا شكسبير على أحسنه وإن اختل تأليف الرواية لانقضاء ست عشرة سنة بين فصلها الثالـث وفصلهـا الرابع…، أما فى العاصفة فقد بلغ فى رأى النقاد الأكفاء قمة التأليف فى المسرحيات، وجاء فيها بأجمل ما ترتقى إليه اللغة الإنجليزية فى نظم القصيد».

[email protected]

www. ragai2009.com