لا شك كما قال الأستاذ العقاد ، أنه من العسير جدًا أن تتفق وجهات النظر فى استحسان مزايا الشاعر مع كثرة موازين النقد وكثرة آراء النقاد وأساليبهم فى تطبيقها.
وتطرد هذه القاعدة فى عظماء الشعراء ، فنعرفهم من الإنكار لهم كما نعرفهم من الإعجاب بهم.
وليس أكثر من الإنكار على شكسبير ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ إلاَّ الإعجاب به وسرد مزاياه والرد على منكريه.
هل هو شاعر فنان يمتاز بالجمال والسلاسة والطلاوة ؟
هل هو شاعر حكيم يمتاز بأصالة الفكر وصدق التأمل واستبطان الحقائق ؟
هل هو شاعر بصير بالطبائع والسرائر ؟
هل هو شاعر المسرح ؟ هل هو شاعر القصة ؟ هل هو شاعر الملحمة ؟ هل هو شاعر قوم ؟ هل هو شاعر جميع الأقوام ؟
تأتيك الإجابة بنعم ولا. ووراء هذه وتلك مرجع دائم يبرم وينقض ، وينتهى إلى مراجعة الموازين نفسها ، لأن الشاعر العظيم يصحح الموازين ويضطر فريق كل ميزان إلى إعادة النظر فيه.
* * *
كان فولتير يقول عن شكسبير إنه محروم من الفن والنسق ، والمثل الأعلى عند فولتير فى الفن والنسق أن يكون وفقا لسنن الأقدمين.
ولكن فولتير لم يستطع أن ينكر عليه «العبقرية المفعمة بالقوة والخصب والدراية بما هو طبيعى وجليل». ثم عاد بعد ذلك بأكثر من ثلاثين سنة فكتب إلى هوراس والبول (سياسى وأديب انجليزى) يقول عنه : «إنه ذو سجية حسنة ولكنه ذو منهجية همجية بلا نسق ولا فطنة ولا فن ، يخلط الضعة بالعظمة والهذر بالهول… »
وفيكتور هيجو ، وهو ند لفولتير فى النقد وفهم الشعر ، يفضل الفن الحديث على فن الإغريق لأن الفن الإغريقى يخرج «الناشز النافر » من حسابه دون أن يلتفت إلى الصلة بينه وبين الروعة والجلال ، ولكنه يرى أن المحدثين وفى طليعتهم شكسبير يعرفون كيف يصبح النافر جليلاً والجليل نافرًا ، وينظرون آخر الأمر إلى النقيضين فى أطوار الطبيعة ولا ينسون التقريب بينهما حيث هما متقاربان فى الحقيقة.
ويضاهى فولتير وهيجو فى النقد والأدب : هردر ، وفردريك شليجل الألمانيان ، وعندهما أن المسرحية العظيمة لن تخلو من الفن لأن الفن ينبع من الروح ، ويقول هردر إنه لا يدافع عن شكسبير وإنما يستند إليه ليرد على ناقديه ، فإنه ترجمان الطبيعة التى تتكلم بألسنة كثيرة.
وبنديتو كروشى الإيطالى ، جوابه لهم فيما افترقوا فيه أن الفن يلتقط أبطاله من الحياة ولكنه لا يماثلها ، وأن شكسبير عبقرية عالمية لا يحدها زمانها ولا تحدها أى فترة ، وأنه يمثل أشتاتًا من البشر يشرف عليها ليمثلها على سواء ولا ينعزل عنها.
أما «جورج براند» الكاتب الدانماركى، الذى يرى الأستاذ العقاد أنه أبرع من عرفوا بين النقاد الباحثين فى فلسفة الجمال ـ وصاحب الآراء المأثورة فى مباحث «الاستاطيقا» (علم الجمال والمحاسن) وتطبيقاتها على الشعر والمسرحية بصفة خاصة ـ فإنه يرى أن الوحدة فى العمل الفنى شرط لازم ، ولكنه لا يحصرها فى شروطها عند الأقدمين ، بل يفضل عليها أحيانًا وحدة الباعث والحركة ووحدة الجو الوجدانى الذى يحيط بالأمكنة والأزمنة والحوادث والشخوص ، ولا ينكر أن شكسبير كان يتخير اللهجة الخطابية فى أشعاره ومسرحياته ، ولكنه يعزو ذلك إلى حكم الموقف بعد انتقال التعبير من اللاتينية إلى الكلمات السكسونية فالإنجليزية ، وأنه ليس من الفن ولا من التأثير الفنى أن تأخذ الألفاظ السوقية لتصفها على حالها فى موضع اللغة التى قدستها التقاليد.
والكاتب الإنجليزى «والتر بانر» إمام مدرسة الفن للفن ؛ فيبدى أن هذه المدرسة تجد رضاها فى شكسبير ، لأن رواياته «توليفة» من النفوس البشرية تمتزج وتنفرد كأشعة الطيف الشمسى ، فلا تنافر بينها فى امتزاجها ؛ ويختار «بانر» ملهاة «الحب الضائع» وهى من أوائل مسرحيات شكسبير ، ليورد منها الأمثلة على براعة اللفظ المنتقى لجمال إيقاعه والنماذج الإنسانية المتلاقية لما بينها من تجاوب الأشكال والشيات (العلامات).
* * *
وربما يتفق ناقدان من مدرسة واحدة على فهم واحد للشعر ، ولكنهما لا يتفقان ـ فيما يقول الأستاذ العقاد ـ على مواضع الاستحسان.
فالناقد الانجليزى «مورتون لوس Luce» صاحب كتاب « متناول شكسبير » يرى أن قصة « لوكريس» دون قصة «فينوس وأدينوس» ، لأنها أقل طبيعة وأقل نغمة وأقل جمالاً وأقل شعرًا ، بينما يبدى «جورج ريلاند Ryland » صاحب كتاب «الكلمات والشعر» أسبابًا أخرى ، ويقول : « إن الزينة فى قصة فينوس تنوب عنها التشبيهات فى قصة لوكريس… » ويمضى الناقد فى بيان الأسلوب الذى يناسب السياق المسرحى ويخالف السياق الوجدانى فى قصة فينوس وأدينوس.
* * *
وكلما أمعن القارئ فى استطلاع هذه الآراء ، تأكد لديه أن مقاييس الفن تستهدف للتعديل والتنقيح لاسيما كلما اقتربت من عبقرية نادرة من عبقريات الفنون ، ويصدق ذلك على كل عبقرية تخلق الفن ولا يخلقها الفن ، فالشاعر العظيم يأتى بدستوره الذى يجرى عليه حسابه
www. ragai2009.com