وقد درج الناشرون المحدثون، على تضمين ديوان شكسبير متفرقات من الشعر الغنائى وأخرى من الشعر القصصى، أما على أيامه فكان البعض يلحقها بالديوان أو يطبعها على حدة.
وربما اطلع عليه شكسبير أو لم يطلع، ولكنه لم يكترث قط لنفى كلام منحول عليه أو لمقاضاة المختلسين ومطالبتهم بحقه.
ومن المتفرقات قصيدة الفونكس والقمرية The phoenix the turtle ونسبة هذه القصيدة إليه صحيحة، نظمها معارضة أو إجـازة لقصة فى موضوعها مـن نظـم الشاعـر «روبرت شستر»، وهى من متوسط شعر شكسبير ولا تعد مـن عيـون شعـره ومأثوراته.
وتنسب إلى شكسبير قصة «شكلة عاشق»، وتعتمد نسبتها إليه على كونها تنم عن آثار قلمه، وتبدو وكأنه صممها وهذبها ثم أهملها.
واشتملت مجموعة منتقاة فى عصره على نخبة من موشحاته وأغانيه فى مسرحياته، ومعها نحو عشرين قطعة لم تنسب إليه فى غير هذه المجموعة، وربما خفى عليه أمرها أو أهملها كما أهملها النقاد فى عصره لاستبعاد أن تجوز على قرائه.
* * *
وفى القرن السابع عشر كشف المنقبون فيما يقول الأستاذ العقاد «كشفوا عن سجل مخطوط فيه قصائد ومقطوعات ونتف متفرقة يُنسب بعضها إلى شكسبير، ومنها قطعة عن الملك يقول فيها إنه يملك الدولة والسطوة ولكنه إذا كان ذا بصر ومعرفة كان لذلك أشبه بخالقه وباريه، وليس لشكسبير شعر فى المبادئ السياسية فيما عدا المسرحيات غير هذه الأبيات، ولكنه كان ولا شك حسن الاطلاع على محصولها فى مباحث عصره، وأقربها إليه فى مباحث الأستاذ جيوفانى فلوريو العالم الإيطالى الذى كان يدين بالمذهب البروتستانتى ويأوى إلى حمى اللورد سوثامبتون صديق شكسبير، وعلى نسخة من ترجمته لمقالات مونتانى توقيع شكسبير محفوظًا بالمتحف البريطانى، وإلى فلسفته تعزى المقتبسات من مصطلحات العلم السياسى فيما ورد على لسان أبطال المسرحيات».
والمشكوك فى نسبته إلى شكسبير من شعر الديوان قليل بالقياس إلى المسرحيات، ويرى الأستاذ العقاد أن الجزء الذى يتطرق إليه الشك لا شأن له بترجمة الشاعر ولا بقيمة شعره ولا بتاريخ الأدب على أيامه.
ويلاحظ الأستاذ العقاد أنه فى تلك العصور «نجمت مدرسة السلفيين المحدثين ومدرسة المثاليين ومدرسة الواقعيين والطبيعيين ومدرسة البرناسيين، وتكلم النقاد من غير هذه المدارس عن وظيفة الشعر وعن شروطه وغاياته، فذهبوا فى حدودهم وأحكامهم متفرقين تفرق النقائض والأضداد: يقنع بعضهم من الشعر بالرونق والطلاء، ويحسبه بعضهم إلهامًا يقارب النبوة، وينوطه بعضهم بالتأمل وبداهة الحكمة، ويـراه آخرون زيًّا من الأزياء التى لا تحمد على حالة واحدة فى جيلين متعاقبين ولا فى عامة الأجيال».
وعلى تباعد الآراء فى شاعرية شكسبير المسلم بها، فإن فى شعره ما يرضى طلاب الرونق وطلاب التأمل، وما يعجب مدرسة الطبع ومدرسة التعمق.
ويرى الأستاذ العقاد أنه «لا محل لاختلاف الرأى أمام الواقع المتواتر، ومن هذا الواقع المتواتر أن شكسبير شاعر متأمل عميق التأمل، وأنه يملأ العبارة بمعانيها وأخيلتها حتى لتوشك أن تضيق عنها، ومن الواقع كذلك أن صناعته الشعرية طوعت له زمام المعانى والأخيلة، حتى استطاع أن يبرزها للقارئ ولا يخفى بها جمال النغم ومسحة الجزالة والعذوبة، فما أثنى عليه أحد من المعجبين به فى عصره إلاَّ كانت صفة «الحلاوة» أسبق الصفات إلى ثنائه، وكاد المعجبون بحلاوة نظمه أن يخيلوا للقارئ الذى لا يعرفه أنه شاعر من شعراء الطرب والإيقاع، ليس له مزية تذكر إلى جانب اللفظ الرشيق والنغم العذب والعبارة المونقة.
«ويقول أوليفانت سميثون صاحب كتاب «حياة شكسبير وعمله» ما فحواه: إن الشهرة التى جلبتها هذه الأشعار لشكسبير لشهرة واسعة، وقد انثال عليه الثناء من كل صوب. فقال وليام كلارك إن شكسبير العذب جدير بكل ثناء من أجل قصة لوكريس، وقال جون ويفر Weever يناديه: أيها المعسول اللسان شكسبير، وقال ريتشـارد كاريـل «إنه كاثيولس اللسان الإنجليزى» وكاد أن يغلب عليه لقب شكسبير «الحلو» أو الشاعر المعسول».
أما شعره من حيث الصناعة العروضية فقد أسعده فيه حسن الحظ وحسن التصرف، فقد تمت له قوالب الأوزان من مأثورات النظم فى لغات الجزر البريطانية، فأخذ من أوزان السكسون، واقتبس من بحور الشعر فى فرنسا وإيطاليا وروما القديمة، وكان من هذه الأعاريض ما يقوم وزنه على «النبرة» وما يقوم وزنه على «حروف المقطع»، وهى ما تسمى فى اللغة العربية بالأسباب والأوتاد. أما الشعر المرسل فقد انتقل إلى اللغة الإنجليزية لأول مرة بعد ترجمة المطولات اللاتينية، فجاء هذا الشعر المعفى من القافية فى أوانه مع نشأة الفن المسرحى وضرورة النظم فيه فى غير المعانى الغنائية.
ويرى الأستاذ العقاد أن شكسبير اختار «وزن الموشحة لمقطوعاته ونظمها من أربعة عشر سطرًا تتخالف القافية فى جميع سطورها إلاَّ فى السطرين الأخيرين، فإنهما يتحدان فى قافية واحدة، واختار الوزن المسمى بالروى الملكى لكثير من أغانيه، وهو يتألف من الرباعيات والمثنويات فى روى يشبه روى الرجز والتسميط باللغة العربية، وزاد الشعر المرسل «رسلاً على رسل» لأنه لم يتقيد بحصر الجملة فى سطر واحد، وتسنى له بهذا الاسترسال أن ينتقل بالعبارة من سطر إلى سطر حيثما اطرد له المعنى أو المعانى المتلاحقة، وقد سبقه مارلو إلى إطلاق السطر ونقل موضع الإيقاع، ولكن الشعر المرسل إنما اكتسب مرونة النثر وإيقاع الشعر المنغوم على يد شكسبير، وأفادته نشأته فى الريف أنه استخدم أهازيجه للغناء الخفيف فى المواقف التى تلائمها من روايات الملهاة أو المأساة، وأسعده حسن التصرف مع حسن الحظ فانقادت له ملكة الشاعر البليغ وملكة الناظم الصناع».
www. ragai2009.com