بعد هذا المعمعان، يخرج الأستاذ العقاد بأن اليقين الذى نملكه ـ يكفى لدراسة شكسبير ، ومن كيان العبقرية التى ندرسها باسم شكسبير، وكفاية الآثار التى يقوم عليها ذلك الكيان للإقرار بهذه العبقرية التى أخرجتها.
الشـاعر
تقول الأديبة الإيطالية «فالنتينا كابوتشى Valentina Capocci» فى كتابها عن شكسبير الذى صدر سنة 1950 بعنوان «العبقرية والغوامض أو شكسبير وعجائب فنه» ـ تقول وهى تحذق اللغة الإنجليزية وتتكلم عن طبقات البلاغة فيها بلهجة الحسم والتوكيد : إن شكسبير شاعر لم يكتب شيئًا من النثر، وإن الكلام المنثور فى مسرحياته إنما هو كلام مشاع من وضعه تارة ومن وضع الممثلين معه تارة أخرى، ولهذا وقف الشاعر على طبع قصائده ولم يقف على طبع مسرحياته، وإنها لو كانت كلها من عمله لما أهمل طبعها فى حياته .
على أن الكاتبة الإيطالية وإن حذقت اللغة الإنجليزية إلاَّ أنها قليلة العلم بأسلوب المسرح ودواعيه ، وتعرضت للخطأ من هذه الناحية، وتعرضت للتفنيد الشديد من مواطنة لها تعرف من أسلوب المسرح ما جهلته، وتلك هى فيما يقول الأستاذ العقاد : الممثلة النابغـة «إلزا دى جيورجى Elsa De Giorgi» التى نظرت إلى منثور شكسبير ومنظومه من الناحية المسرحية، ففندت شبهات الأديبة كلها فى غير عناء.
ويرى الأستاذ العقاد أن الأديبة الإيطالية لم تخطئ الحقيقة كلها فى حكمها على النظم والنثر فى مسرحيات شكسبير، ولولا إغراقها فى الرأى لاتفق هذا الرأى مع جملة الآراء فى الموازنة بين نثر شكسبير وشعره. ذلك أن منثوره واحد من مئات، وإنما الشاعر شكسبير هو الخالد، بما نظم من شعر منفصل أو متصل بالمسرحيات .
ففى مسرحياته ـ فيما يضيف ـ ألوان من الأغانى ومن شعر الوجدان المصطلح على تسميته بالشعر الغنائى، وفيها ألوان من شعر الوصف والحكمة تشكل ديوانًا ضافيًا وتقوم به شهرة شاعر كبير، ربما فضلها النقاد من الوجهة الفنية على الشعر المنفصل الذى لم يدخل فى أدوار المسرحيات، لأن هذه الأشعار المنفصلة صاحبت تطور الشاعر من بداية حياته الأدبية إلى نهايتها .
كما وأن شكسبير الشاعر ينفرد بشىء لم يتوافر عند شكسبير مؤلف المسرحيات، قد يرجع إلى صلة المؤلف المسرحى بالنظارة، وصلة الشاعر بقارئه.
المؤلف يتصل بالعالم كما يتمثل فى النظارة الذى يرون الممثلين قبل أن يروه.
والشاعر يتصل بالإنسان على حده أو مع غيره، دون شرط أن يلقاه فى مسرح أو يسمعه على لسان وسيط من الممثلين والمخرجين وبين شركاء من النظارة والمتفرجين.
وقد كان الناشرون يجمعون أعمال شكسبير فى مجلد واحد، ويقسمونه فيما يقول الأستاذ العقاد ـ «إلى قسمين : قسم المسرحيات، وقسم الأشعار، وكان من عادة الناس أن يذهبوا إلى المسرح ليطلعوا على المسرحيات، وأن يفتحوا الصفحات ليطلعوا على الأشعار، ولا يمنع ذلك أن يكون للمسرحيات قراء وأن يكون للأشعار نظارة ومستمعون. ولكن الصلة فى الحالتين تختلف بين شعور القارئ نحو الشاعر وهو يطالعه، وشعور الناظر نحو المؤلف وهو يلمحه من وراء الممثلين ووراء الأدوار.
وجاء زمن بعد ازدهار المسرح فى القرن السابع عشر نسيت فيه المسرحيات وقل الإقبال عليها عند عرضها، بل قل عرضها لغير الصفوة من طلابها، فقامت صلة الشاعر بالعالم ـ جماعاته وأفراده ـ على القصائد التى نظمها فى غير المسرحيات، وعمد الناشرون إلى الشعر المسرحى فطبعوه للقراءة واستخرجوا منه ما يصلح للقراءة والإلقاء فى غير معاهد التمثيل، وكاد شكسبير الشاعر أن يستغنى بقرائه عن نظارته ومشاهديه.
«ولم تقدم الأشعار المنفصلة أسبابًا فنية تنفذ بها وتحببها إلى قرائها، بل إلى نقادها والمشتغلين بدراستها. فإنها معرض للشعر القصصى يقابل الشعر المسرحى فى المآسى والملهيات، وفن من أداء الرواية يخالف الفن الذى يؤديها بالحوار وتصوير المناظر وتقسيم الأدوار. وقد برع شكسبير فى القصة الشعرية براعته فى القطعة المسرحية، واستطاع أن يمثل لقارئه بالقصيدة المكتوبة ما يحتاج إلى مسرح وممثلين على المسرح لتصويره للعيان وإبلاغه إلى الأسماع وبثه فى الخواطر والقلوب، واستخدام طريقة المسرح ـ بغير المسرح ـ لتعليق الأفكار والأنظار، وإزجاء المفاجآت على انتظار وعلى غير انتظار.
«وللموشحات التى نظمها شكسبير مزية فنية تنفرد بها بين المنظومات التى تستخدم لمواقف التمثيل أو لرواية القصة، لأنها تصلح لشعر التأمل وشعر النشيد وشعر العاطفة، ويودعها الشاعر «ترجمة نفسية» لحياته فى أعماق وجدانه وخلجات ضميره : ترجمة مباشرة تتلقاها منه بغير وساطة المسرح أو وساطة الرواية أو وساطة المؤرخ وصاحب الأخبار فيما يعلمه القارئ عن شكسبير من موشحاته لا يعلمه من كلام قاله فى مسرحية أو قصة، ولا من كلام قاله عنه المترجمون والرواة».
www. ragai2009.com