التعريف بشكسبير (11)

التعريف بشكسبير (11)
رجائى عطية

رجائى عطية

6:50 ص, الأثنين, 23 سبتمبر 19

يتصدى الأستاذ العقاد لبيان ما أسقطه الناشرون (رواية بركليس) من المجموعة الأولى التى نشرت لمؤلفات شكسبير، ولماذا وضعوا رواية ترويلس وكريسيدا ثم رفعوها ثم عادوا ووضعوها بعد إثبات رواية «تيمون الأثينى» فى مكانها الأول، ولماذا عاد الناشرون فى المجموعة الثالثة فأثبتوا «رواية بركليس»، وأثبتوا روايات أخرى حذفها الناشرون بعد ذلك، وما أدى إليه ذلك من إعادة البحث على أساس النقد الموضوعى والنقد النفسانى إلى جميع مؤلفات شكسبير وخصوصًا الروايات التى كانت محلاًّ لتردد بين الناشرين فى مختلف الطبعات.

ومضى الأستاذ العقاد يستقصى ما أثير فى هذا الشأن مـن بحـوث، وآراء الدكتـور «اسكندر بيتر» أستاذ الأدب بجامعة جلاسجو وصاحب الرسائل الحديثة فى ترقيم شكسبير وتقسيم فصوله (1945)، وآراء الشاعر الناقد «جون ماسفيلد» فى كتابه الوجيز عن شكسبير، وما طرحه «جيمس سبدنج»
(Spedding) من تساؤلات فى مقاله بمجلة الجنتلمان فى أغسطس 1850، وما ادعاه مـن أن روايـة «هنرى الثانى» مـن عمـل «جون فلتشـر» إلاَّ القليل منهـا، وما أبـداه الأستـاذ «جون ماسفيلـد» عن روايـة «ترويلس وكريسيدا» التى تردد الناشرون بشأنها ـ من أنها مسودة حوار بقيت فى انتظار الإتمام، وتضاربت الأقوال عن تمثيلها فى حياة شكسبير.

ويضيف الأستاذ العقاد أنه «بعد أكثر من مائتى سنة من صدور المجموعة الأولى ظهرت مسرحية باسم توماس مور تشتهر الآن باسم المسرحية المخطوطة، لأنها ظلت من عهد كتابتها فى أواخر القرن السادس عشر ـ محفوظة بخطوط النساخ لم تطبع قبل سنة 1844 حيث وصلت إلى أيدى الجماعة الأولى التى تألفت لإحياء آثار شكسبير، وهى الآن تلحق بمجموعاته فى الطبعات الأخيرة، ولا تثبت لها صلة به غير اشتمال مسوداتها على كلمات بخطه كما تبين من تحقيقات الخبير المختص بالخطوط «موند تومبسون». وتدور فصول المسرحية على ترجمة الفيلسوف المؤرخ الوزير توماس مور صاحب «المدينة الفاضلة» ورائد البحث عن المدن الفاضلة فى العصور المتأخرة، وقد كان من المعارضين للملك هنرى الثانى فى دعوى الرئاسة الروحية والدنيوية، وموضوع حياته وموته ـ جدير بقلم شكسبير، ولكنه لا يطرد مع طريقته فى اختيار أدوار المسرحيـات التاريخيـة وعناوينها».

* * *

«وعلى هذا المثال تناولت مدرسة النقد التحليلى ومدرسة النفسانى مسرحيات الشاعر، وأفاض الشراح من المدرستين فى تناولها إفاضة موفورة الأسباب والأمثال تستعصى على الحصر ـ فيما قال الأستاذ العقاد ـ فى هذا الكتاب، وأسفرت هذه الدراسات ـ التحليلية النفسانية ـ عن ثروة نفيسة من أسرار اللغة وبواطن المعانى ودقائق الفهم والاستدلال. وثبت من محاولاتها العصية أنها مسبار من التحقيق لا غنى عنه فى تقويم المؤلفين وتواليفهم، وإن لم يأت بالنتيجة القاطعة فى جميع الأحوال، وزاد صعوبة فى دراسة شكسبير أن الشكوك كلها قائمة على فوارق التعبير وفوارق التنسيق، وأن الشراح والنقاد لم يتيسر لهم إقامة الحد الواضح بين الفروق الضرورية التى لا بد منها والفروق العارضة التى توجد فى أحوال ولا يلزم أن توجد فى سائر الأحوال».

فمن الفروق الضرورية فيما يقول الأستاذ العقاد «أن تختلف البواكير والنهايات فى أعمال كل مؤلف كبير المواهب متعدد الجوانب يتطور سريعًا وترتبط أطوار التقدم والنضج عنده بمطالب المسرح ودواعيه الفنية، مع ما يقترن بها من دواعى الإدارة والانتقال من فرقة إلى فرقة ومن موضوع إلى موضوع… لقد وجدت فوارق البواكير والنهايات فى أعمال كل شاعر وكاتب من الأقدمين والمحدثين، وكانت هذه الفوارق على أوسعها وأغربها بين أوائل شكسبير وخواتيمه، فامتلأت مؤلفاته الأولى بالكناية والنزوع إلى الإشباع والتركيز وتحميل العبارة غاية ما تطبق من القصد والإيحاء، وغلب عليه التكلف فى هذا الطور الأول على ديدن المبتدئين الذين يدفعون الظنة عن قدرتهم على مجاراة الفحول من نظرائهم المنافسين، فبالغ فى إثبات تلك القدرة وصمد على أسلوب الإشباع سنوات، ثم تحول عنه فلم يتركه كل الترك، بل ترك الإطناب والتفخيم ولم يترك تحميل الكلمات غاية ما تطيق من معانٍ وإشارات، لأن أفكاره بطبيعتها تزيد على وعائها من الألفاظ والتراكيب».

هذه الفوارق الضرورية بين البواكير والنهايات تأتى فى سنوات طويلة أو قصيرة ويسهل استقراء التواريخ والأدوار، إلاّ أن المؤلف قد تلازمه الفوارق الضرورية فى الحقبة الواحدة وفى موضع بعد موضع من العمل الواحد، وتلك هى الفوارق بين حالات الإجادة والإلهام وحالا الإهمال والركود، أو هى الفوارق بين المؤلف على أحسنه وأجوده والمؤلف نفسه على أردأ حالاته وأبعدها عن الإجادة والإتقان، وشكسبير من المؤلفين الذين يعظم التفاوت بين أعماله فى الحالتين.

[email protected]

www. ragai2009.com