الإعلام الغربى وأيديولوجيا التسعينيات

الإعلام الغربى وأيديولوجيا التسعينيات
توفيق اكليمندوس

توفيق اكليمندوس

11:32 ص, الأحد, 16 يوليو 23

عندما أتكلم عن الإعلان الغربى أقصد أساسًا الصحف والمجلات الأمريكية والبريطانية الكبرى، يضاف إليها قناة «سى إن إن»، وقناة «فرانس 24»، وربما جريدة «لوموند» رغم تدهور مستواها.

أنا عاجز عن تفسير قدرة هذه المؤسسات على تقديم تغطية ممتازة وعميقة لبعض الملفات، وإخفاقها التام وغبائها المذهل فى ملفات أخرى. كل التفسيرات التى تخطر على البال غير مقنعة، أعتقد فعلًا أن أيديولوجيات اليسار المتطرف فى حقبة ما بعد الماركسية تعجز عن فهم تطورات أغلب المجتمعات التى أعرفها، مصر وفرنسا، وبدرجة أقل إيطاليا وألمانيا، ولكن هذه الأيديولوجيات لا تمنع تلك الصحف من تقديم خدمة ممتازة فيما يخص روسيا والصين. ما التفسير؟ لا أعرف.

دعنا نترك مؤقتًا اليسار الحالين ولنعد إلى الوراء قليلًا، كانت الأيديولوجيا والتصورات التى سيطرت على مخيلات أغلب النخب السياسية والإعلامية الغربية بعد انهيار الاتحاد السوفيتى مانعة لفهم العالم الواقعي، تخيلوا أن التاريخ انتهى، وبالمناسبة فإن كتاب فوكوياما الشهير ينطوى على عرض ممتاز لفكر هيجل وآدم سميث، ولكنه كان واضحًا منذ أول يوم أن الفكرة ساذَجة وخاطئة، أستطيع أن أتحمس لتشخيص فوكوياما – الجمع بين الديمقراطية التمثيلية والرأسمالية أفضل الصيغ الممكنة ولكننى كنت أعرف بفضل قراءة أمهات الكتب أن الديمقراطية أكثر الأنظمة تدميرًا لنفسه بنفسه؛ لأن بقاءها شأنه شأن الرأسمالية يفترض وجود منظومة أخلاقية وممارسات مسئولة تقوم هى بإضعافها أو تدميرها. وكان واضحًا أن انفتاح الصين يسمح للشركات الكبرى بالاستثمار هناك؛ حيث العمالة أرخص، وأن هذا سيتسبب فى انهيار الصناعة أو تراجعها فى عدد من الدول الغربية، ولكى لا أُتهم بادّعاء الحكمة أقول إن أصدقائى من فلاسفة ورجال أعمال كانوا أصحاب كلامى هذا واقتنعت به.

وحلم انتهاء التاريخ كان أيضًا حلمًا بنهاية السياسة والقرار السياسى والصراع السياسي، حلم يتمنى انسحاب السياسى ليترك الساحة لرجل القانون وخبير الاقتصاد، وقالها مرشح غبى للرئاسة الأمريكية مخاطبًا مرشحًا عملاقًا… الاقتصاد يا غبي… إنه الاقتصاد. ومرة أخرى كنت أعرف أن المهارة السياسية هى القدرة على فهم خصوصية كل واقع وكل ملف، والتعامل معه تعاملًا خاصًّا بما تقتضيه هذه الخصوصية، بينما السمة الرئيسة للقاعدة القانونية العمومية والتجريد والإجبار. لا أريد أن يُساء فهمي… المفروض هو… لا السياسى يلغى القانوني، ولا العكس.

وسمعنا أن عصر الحدود بين الدول عصر انتهي، وكانت السوق المشتركة الأوروبية قائمة فى أول الأمر على أساس جيوسياسى وثقافى متين، والتمدد من أجل التمدد لا يُفهَم خارج هذا السياق الفكري، القانونى مهم، والاقتصاد مهم، ولا السياسة ولا الأمن مهمان.

وسمعنا كلامًا عجبًا من عيِّنة «نحن أصدقاء الكل ولا أعداء لنا»، وأى فاهم للعلاقات الإنسانية يعرف أن هذه الجملة تافهة، لا أحد سيستأذن الأوروبيين ليحصل على موافقتهم على معاداتهم، إذا أردت معاداة الأوروبيين، والتصرف على هذا الأساس بالاعتداء عليهم فلن أطلب موافقتهم، وسمعت شخصيًّا مسئولًا أوروبيًّا كبيرًا يقول فى مركز فكر مقرُّه باريس إن الاتحاد الأوروبى أحدث ثورة فى عالم المفاوضات الدولية، الأطراف الأخرى تتفاوض ومعها عصا وجزرة، الاتحاد الأوروبى يتفاوض وفى يده اليمنى جزرة، وفى يده اليسرى جزرة أكبر، وعندما تكلمت منتقدًا هذا، وعندما علموا أننى مصرى نسبوا كلامى إلى كونى ابن منطقة متخلفة…

ووجدنا الرئيس كلينتون يقرر إعادة تشكيل منظومة المصانع الحربية الأمريكية، والصحافة الأمريكية تؤيد وتهلل، إعادة التشكيل هذه تُخالف كل ما تعلمته أثناء دراستى – أيام الحرب الباردة، كانت تعديلات كلينتون توجِد كيانات قليلة وضخمة جدًّا، وبرّر هذا بتوفير النفقات، وكنت أعرف أن المنافسة فى الاقتصاد محمودة، والاحتكار خطر، وأن الاعتبارات الأمنية تقتضى عدم وضع البيض فى السلة نفسها، وعدم خلق مركز قوة، واليوم ينتقد المسئولون هذه المقاربة بعد فوات الأوان.

* أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الفرنسية بسبب عدم توافر الخامات