الإدارة بالعقد!

الإدارة بالعقد!
محمد بكري

محمد بكري

6:42 ص, الأربعاء, 29 يونيو 22

هل هناك علاقة بين؛ تفضيل أبطال رياضيين مصريين لتمثيل بلاد اجنبية (إنجلترا، بلغاريا، قطر، بولندا، أمريكا، بلجيكا)، فى الإسكواش، والمصارعة، ورمى القرص، ورفع الأثقال، والكونغ فو، والفروسية، ورمى الرمح، وانقراض عظماء الموسيقى الكلاسيك من العالم – وبين؛ توجهات بوتين فى حرب أوكرانيا وآثارها، وموقف آبى أحمد بسد النهضة، وتحرش الصين بتايوان، وموقف إنجلترا وأمريكا من روسيا والصين بقمة مجموعة السبع يونيو 2021، وحقيقة طريق الحرير الصينى، واستماتة الدولار للبقاء أمام تحالف العملات المضادة والمشفرة – وبين؛ كابوس كورونا وأتباعها، وطبقات البيروقراطية المصرية، وحرج كرة القدم المصرية، ونحر تقديم القيم فى الدراما مقابل تغول قوة الدم والسيوف، وذبح فتاة المنصورة، وطحن مسلمى الإيغور فى الصين والروهينجا فى بورما، واغتيال الخضار فى توسعات إعادة تخطيط وتوسعات الطرق، ومحاولات تجريم الاغتصاب الزوجى بإلزام الزوج الحصول على إقرار بالموافقة على العلاقة كل مرة – وبين؛ المادة 98 عقوبات ازدراء الأديان، وحروب تعديلات قوانين إيجار الأماكن والأحوال الشخصية، وصراع النص مع الإرث فى تحديث الخطاب الدينى – وبين؛ تغير الاستراتيجية الإسرائيلية فى التطبيع مع العرب، وفرض ديزنى المثلية فى الكرتون، ونسج نتفليكس للجنس والعنف والتآمر فى إنتاجها؟

القراءة الأولى تحسم عدم وجود أى علاقة بين كل ما تقدم، بل وغلوه فى التشتت! حقيقة العلاقة هى مثلث الإنسان والإدارة والعُقد النفسية! يمكن استيعاب كل العلاقات المذكورة وأضعافها المضاعفة، عند استيعاب شمول كلمة إنسان لجنسه، لونه، دينه، مكانه، غرائزه، قيمه، ماله. محصلة تكاثر وتفاعل هذه العناصر، هى الأسرة، الشركة، الحزب، الإقليم، المجتمع، الدولة، المنطقة، القارة، العالم! يتدخل علم الإدارة فى علاقة وتفاعل الإنسان بكل هذه العناصر، وتتداخل العُقد النفسية للإنسان فى إدارة ذاته، وتصاعديا فى إدارته لكل أشكال تكاثره اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وبالتالى فمن الجائز عملا تعقد أسرة نفسيا، أو حزب، أو مجتمع، أو طبقة، بل ودول بأكملها، طالما أن أساسها الإنسان!

عادة الفكر تعامل العلاقات، بالربط الظاهر بين طبقتين لثلاثة توصلا للرابط المشترك، بعدها يبلور خطة التعامل مع هذا الرابط/الروابط، توصلا لرؤية تقيم الموقف أو تحله.

يعتاد الفكر فى ربطه الظاهر بين المعطيات بظواهر المصلحة أو القرار أو آثاره، بدون تأصيله للباعث والغاية وتعقيد الثقافة التى خلف التصرف أو العمل. ورغم حقيقتها كعدد من الأفكار والاتجاهات التى تتسم بأنها سلبية، فمن أبرز مميزات العقد النفسية أنها تكون لا شعورية لدى الفرد، أو الإدارة، أو المجتمع، أو الدولة. وبالتالى فإن إعادة قراءة العلاقات بصدر المقال، ستكشف تورطنا جميعا فى حزمة إدارة بالعُقد النفسية التى وصلت لمرحلة تعقيد حياتنا! فإما نُدار بعُقد الآخرين أو ندير حياتنا بعُقدنا الخاصة، أو بتسخير الأذكياء للمُعقدين نفسيا لإدارة الآخرين! وفى جميع الحالات فنحن نعيش ونتعامل وندار بالعُقد النفسية؛ بداية من عقدة قابيل للتنافس العدائى على نفس الغاية، لعقدة كرونوس المسيطر على الآخرين ويجاهد لتحجيمهم وسحق شخصياتهم، لعقدة أطلس أو شهيد الشهامة والضغوط، لعقدة بولبكرت الحالم بالبناء فيهدمه ليعيد الكرة فينقلب لمدمن كفاح، لعقدة برجوديس الضامر لحقد وكراهية طائفة أو جمهور أو قومية معينة، لعقدة المُخلّص المقتنع بأن خلاص الآخرين معتمد عليه ولكنهم لم يمنحوه الفرصة، لعقدة السرقة بإدمان أخذ أى شيء دون مقابل، لعقدة التفوق بالقدرات والإمكانيات لجبر سلبيات ونواقص بالتظاهر بأنه فوقها، لعقدة الآلهة هوسا بالذات والقوة والاستحقاق واعتبار البشر أرقاما يعاد تخطيطهم بمزج النرجسية بفرض السلطة لانتزاع التقدير وإرضاء الأنا، لعقدة سندريلا الحالمة منتظرة التغيير للأفضل بدون مجهود، لعقدة الخبير العالم ببواطن الأمور فيعكر الماء ليظهر قيمته، لعقدة جوكاست بالحب المرضى الخانق للآخرين، لعقدة المتآمر الذى قد يتآمر حتى على نفسه، لعقدة الطفيلى المقتنع بأحقيته للحياة على الآخرين لميزة خفية، لعقدة المتلاعب النفسى Psychological manipulation والمبتز العاطفى، لعقدة المُدلل الذى لا يرضيه شيء العدوانى قليل الاحترام النرجسى، لعقدة المؤذى فلا يهمه نجاحه الأهم ألا تنجح أنت، لعقدة السادية فرحا بحزن وأوجاع الآخرين، لعقدة بيتربان أو الطفل المعجزة بإنجازات شقاوته، لعقدة الهوس الدينى والإدارة بالتحريم والتحليل، بالطبع بخلاف عقد حب الظهور والنقص والذنب الشائعة ونتنفسها يوميا.

وغيرها من التطورات النفسية التى تصيب الإنسان كنواة لكل الكيانات الثنائية والجماعية التى تدير حياتنا بالعُقد النفسية البسيطة أو المركبة! فلا تتعجب لشركة سندريلا بمجموعة قابضة، أو رياضيين هاربين من قابيل بإدارة كرونوسية، أو معاناة الإيغور بدولة برجوديسية، أو مدير متلاعب نفسيا، أو مستثمر موقن بأنه مُخلّص، أو مدرب أطلسى، أو مسؤول بولبكرتى، أو إدارة سارقة لإنجازات الآخرين، أو سياسى مدلل ينقل نزعاته لحزبه، أو متشددين يعذرون داعش أو موظفين يبتزون عاطفيا، إلخ.

فى عام 1658، خَلُصَ الفيلسوف الفرنسى باسكال لأن البشر “مجد هذا الكون وغثاؤه وحثالته كذلك”. فنحن نحب ونكره، ونساعد الآخرين ونلحق بهم الضرر. نمد لهم اليد بالسلام، ونطعنهم بالسكاكين.

هذا المقال دعوة للتدبر والتأمل بداخلنا وفيما حولنا، لما أقره علم النفس الاجتماعى بجواز مرض الجماعات، من كيانات ومجتمعات ودول. فإذا ما فهمنا الفكرة، رصدنا العقدة، فبلورنا إدارتها بخطة، لنتوصل لرؤية تقييم الموقف أو حله أو غلقه. عوضا عن شجبه، أو رفضه، أو تجنبه، أو السقوط فيه أو الانقياد له.

الإدارة بالعُقد؛ هى كواليس إدارة الأزمات والإدارة بالأزمات والإدارة بالودان، ومحاولة تأصيل وفهم هذه الإدارة قد تجعلنا ننحت فكرا أو منهجا جديدا، يعاون إنقاذ الحالى وصد مجاهل القادم، بفهم العلاقات والروابط وتطوير شبكات علاقات وفرق عمل ومناهج تطوير وعى جمعى، للحد من آثار عقد الإنسان، بداية من ذاته وحتى قرار الحرب.

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]