الأيام الخوالي

الأيام الخوالي
حازم شريف

حازم شريف

10:26 ص, الأحد, 20 أبريل 03

للبورصة عندي مذاق  خاص… ربما لانها كانت مدخلي الحقيقي للعالم الساخن المثير للصحافة، في وقت كانت فيه الأحداث والحكايات والقصص لا تنتهي، وذلك في أيامها الخوالي، بداية من منتصف عام 94 ومروراً بصعود نجمها السريع خلال سنوات، ثم هذا الهبوط الدرامي -البطيء هذه المرة- الذي شهدته تدريجياً اعتباراً من أواخر فبراير 97 وحتي الآن .

هذا الأفول لم يعبر عنه فقط تراجع مؤشرات التداول والنشاط وعدد الأسهم النشطة وعزوف المستثمرين، وانحسار الاهتمام الإعلامي، وانما تجسد ايضا فيما بدا أنه تأخر واضح لأهمية البورصة علي جدول أولويات الحكومة ذاتها .

ولهذه النكهة الخاصة، سعدت حين تلقيت دعوة لحضور الندوة التي نظمتها الجمعية المصرية للأوراق المالية بمناسبة انتخابات مجلس إدارة البورصة والتي تجري غدا الاثنين. وعلي الفور تدفقت الذكريات حول أيام مضت، والرغبة في مصافحة وجوه ارتبطت في الذهن، بالأوقات السعيدة رغم كل مافيها من ارهاق العمل وضراوة المنافسة .

لم تكن مفاجأة أن تنعكس حالة الانحسار هذه علي اللقاء، الذي جري تنظيمه بغرض اتاحة الفرصة للمرشحين، لعرض برامجهم الانتخابية علي اعضاء الجمعية من الناخبين. وهي حالة لم تتجسد فقط في قلة عدد الحاضرين ولا في محدودية عدد المرشحين مقارنة بالانتخابات السابقة، حيث تقدم في هذه الانتخابات 17 مرشحاً استبعد منهم اثنان وتنازل مرشح وفاز آخر بالتزكية،  ليبقي 13 مرشحاً في الحلبة يتنافسون علي خمسة مقاعد، مقابل 21  مرشحاً في الانتخابات الماضية استبعد منهم ستة، ليتنافس الباقون علي ستة مقاعد، وانما سرت حالة البرودة التي يمر بها السوق -رغم موجةالصعود الأخيرة- علي درجة حرارة اللقاء ومدي اكتراث الحاضرين، حتي ظهر بعضهم وقد جر أرجله جرا لحضور هذا المحفل الانتخابي، والذي بدا كعرس، غاب عنه عمدا أغلب المدعوين، ليقين داخلهم من غياب العريس والعروس أيضا .

هذه الحالة عبر عنها بوضوح أحد المرشحين حين طالب ضمن برنامجه الانتخابي بضرورة وضع البورصة مرة أخري علي أجندة الحكومة. وهو أمر نشفق علي مرشح لمجلس إدارة البورصة من وضعه ضمن برنامجه، ناهيك عن محاولة تحقيقه. فظاهر الأمور حاليا، يشير الي احتلال قضية الاصلاح المصرفي مقدمة الأولويات الاقتصادية للحكومة، بل قد لا نكون مبالغين إذا ما ادعينا أن جزءاً من عملية التطوير والتغيير التي شهدها المؤتمر الأخير للحزب الوطني -حزب الحكومة- تصب في هذا الاتجاة، من ناحية صعود العديد من الشخصيات والوجوه التي طالما رأت في الماضي، إن الاصلاح المالي الحقيقي، ينبغي أن يبدأ من القطاع المصرفي تحديداً، يليه قطاع التأمين، ثم سوق الأوراق المالية في نهاية المطاف .

وللأمانة فقد سجل هؤلاء أكثر من مرة في السر والخفاء ـ طوال سنوات الصعود في البورصة ـ تحفظهم علي إعطاء الأولوية للبورصة في ظل تواجد قطاع مصرفي وتأميني ونظام مالي عموما تبدو الهوة بينه وبين العالم الآخر سحيقة للغاية، بل ورأي بعضهم صراحة أن انتعاشة البورصة ـ وقتما كانت منتعشة ـ ما هي إلا فقاعة هواء ولدت في ظروف استثنائية، ولن تستمر، ولا يمكن أن تستمر، ما لم يسبقها العديد من الاصلاحات الهيكلية علي مستوي الاقتصاد الكلي أولا، وعلي مستوي القطاع المصرفي ثانيا، وبعد ذلك يمكن الحديث عن سوق الأوراق المالية .

ولم يكن غريبا في ظل هذه الظروف أن تتركز أغلب بنود برامج المرشحين في مطالب تتعلق بتحسين البنية الأساسية للبورصة، ومساعدة شركات السمسرة علي مواجهة ظروفها الصعبة، من خلال تخفيض ما عليها من أعباء ومصروفات، وتدعيم البورصة لدراسات الاندماج بين هذه الشركات وبعضها، وذلك كله انتظارا لتحسن الظروف الذي يأمل أغلبهم أن يكون في المستقبل القريب .

فيما عدا ذلك فقد أسهب المرشحون كالمعتاد في الحديث عن مطلبهم الأزلي ويتمثل في تحسين صورة السمسار، والتي باتت مرتبطة في أذهان الكثيرين بالسمعة والممارسات السيئة، حتي أصبحت شركات السمسرة عرضه للتربص من كافة الأجهزة الرقابية المعنية وغير المعنية، وصار السمسار متهما مدانا حتي لو ثبتت براءته .

ونعتقد أن هذا المطلب الأخير يمثل التحدي الأساسي الذي ينبغي العمل علي مواجهته، من خلال البدء في تطهير البيت من الداخل أولا قبل العمل علي إزالة صورة ساهمت في بثها في العقول ممارسات مشتركة للعديد من المستثمرين والسماسرة ـ أغلب هؤلاء السماسرة إما هربوا أو سجنوا أو تركوا المهنة نهائيا ـ وإن كان رجسها قد علق في النهاية في أثواب من بقي صامدا من سماسرة البورصة .

وفي هذا الإطار ندعو أعضاء جمعية الأوراق المالية وباقي الجمعيات الأخري الممثلة للعاملين في الأوراق المالية إلي وضع خطة عاجلة واقعية قابلة للتنفيذ، لتحقيق المطلب السابق، ورسم صورة جديدة للسمسار تختلف عن سابقتها، … وذلك استعدادا لعودة الأيام الخوالي من جديد، حتي لو تحقق ذلك في المستقبل البعيد !.