هل ارتباط الأزهر والكنيسة بالحضارة المصرية القديمة يدعوهما لنصرتها، من عنصرية دعس حذاء تمثال شامبليون الأشر بباريس للنحات بارتولدي، لرأس الحنيف أخناتون منذ 1875؟ انتفض شيخ الأزهر الشريف، لحرق المصحف مؤخرا بالسويد أمام الكاميرات، وطالب بمقاطعة المنتجات الهولندية والسويدية كترجمة لديكتاتورية الفوضى وسوء الأدب واستفزاز الإسلام بشعار حرية التعبير! فهل الدفاع عن المصحف كمسلم يعزز الدفاع عن ملك مصرى مؤمن؟ وإذا كانت غضبة شيخنا الأكبر لحرق المصحف كرمز رغم أن كلام الله لا يُحرق، أفلا تنتصر غضبته لرأس ملك آمن ورمز لحضارة لا تُدعس؟
الأزهر الشريف والكنيسة كمؤسسات وطنية مصرية، اعتز أباؤها وشيوخها وباحثوها بالحضارة المصرية القديمة فى زخم من الشعائر الحياتية والتصريحات الرسمية والإعلامية. فحافظت الكنيسة المصرية على الشواهد الفرعونية بالمعابد وغيرها، وإقامة عبادتها وصلواتها وطقوسها وسط مناخ فرعونى من الرموز القديمة، ولعل بعض الكنائس القديمة التى أقيمت داخل بهو معبد الأقصر واستمر المعبد خلال العصور الوسطى، حيث شيدت العديد من الكنائس داخل المعبد وحوله، مثل كنيسة القديس تكلا أمام الصرح الشرقى وغيرها، فكان التراث القبطى حافظاً للتراث المصرى القديم والرقيقة الثانية من رقائق الحضارة المصرية، التى امتدت إلى العديد من الرموز والشعائر واللغة والتراتيل فى الكنائس حتى الآن.
كما اتفقت أقوال الجميع نصا، بداية من شيخ الأزهر شخصيا، وأعضاء المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وهيئة كبار العلماء، وأساتذة جامعة الأزهر، ومستشار شيخ الأزهر لشئون التعليم، وحتى مستشار رئيس الجمهورية للشئون الدينية؛ بأن «الصحابة شاهدوا أبو الهول وذهبوا لمعبد الكرنك وشاهدوا الأقصر وآثار الجيزة ودهشور وسقارة، ولم يثبت أن أى صحابى أمر بتحطيم تمثال أو إزالة أثر من الحضارة القديمة»، و«مصر لها أن تفخر بحضارتها التى لا مثيل لها فى العالم، فالآثار ذاكرة الأمة المصرية»، و«أن نقوش الآثار المصرية الخارجية عصارة حكمة، وأنهم لا يسجلون إلا عصارة علومهم وأثمن ما يريدون أن يبقى إلى الأجيال من بعدهم»، و«مثلما أن النيل شريان الحياة، وكما نفتخر بالأهرامات والفراعنة، كذلك فالأزهر الشريف جزء مما خلفه الأجداد ونفتخر به أمام كل دول العالم»، و«الأديان أقدم من كل الحضارات، فالقرآن والإنجيل والتوراة كلهم مجمعون على أن قصة الكون بدأت بآدم عليه السلام، وآدم رسول من عند الله، وهو أول الأنبياء لأنه نزل برسالة، وما وجدناه فى آثار الأقدمين، كالفراعنة مثلا، من حديث عن البعث هو من بقايا الدين الإلهى».
فكان اجتماع الأزهر والكنيسة المصرية داخل ضميرهما الروحى الحنيف، على حب وتوقير واعتبار حضارة قدماء المصريين ورموزها، وإنزالها منزلا حسنا فى الوجود والقيم المصرية لنسيجى الأمة. هذه المنزلة الروحية والتاريخية، تناشد قادة قلوب المصريين لمناصرة رفع العنصرية العلمية والثقافية والمهانة البارتولدية برعاية فرنسية، عن الرأس الملكى الحنيف الرازح تحت قدم تمثال شامبيلون. فقادة الأزهر والكنيسة من أحفاد الفراعنة وأعلم بقدرهم، واعتبار أقطابهما للحضارة المصرية القديمة ورموزها، يجعل أحفادها المعاصرين يستنصرونهما لصحوة روحية مصرية، ترفع الضيم الواقع بتجسيد حى مستمر وموجع، لعنصرية النحات الفرنسى بارتولدي، بتمثاله شامبليون يدعس بحذائه رأسًا متوجًا لملك مصرى (سواء كان أخناتون أول من دعى للتوحيد، أو تحتمس الثالث أعظم القادة، أو رمسيس الثانى الجد الأعظم للمصريين)! كتجسيد لانتقام بارتولدى من الخديو إسماعيل لرفضه تنصيب تمثاله بمدخل قناة السويس!
الرباط الدينى لاعتبار الأزهر والكنيسة لحضارة مصر القديمة ووجود مؤمنين بقدمائها، يجعل انضمامهما للمطالبة بإزاحة تمثال شامبليون من موقعه، ليس فقط تصديا روحيا لاجتراء عنصرى على رمز مؤمن وموقر لحضارة مصرية قديمة، ولكن أيضا تصديا مصريا لامتهان كرامة الجدود بزعم حرية التعبير.
إن تدبر الرسائل الخفية التى يبثها تمثال شامبليون بموقعه أمام العالم يوميا (وليس فقط لحظيا أمام الكاميرا ويطويها الزمن)، يجعل الإساءة لمصريى الأمس واليوم، جريمة مستمرة لا تنتهى زمنيا طالما لم تصحح أو تُزَح! هذا البُعد الروحى لمعنى رأس الملك المدعوس، لا يتطفل على الدين، أو يستنصره لقضية خلافية، أو يُسبغ التقديس على رأس حجري، أو يدخل فى جدلية تحريم التماثيل إلخ، ولكنه تأصيل لاعتداء عنصرى قديم ومستمر على رمز جد نعتبره مؤمنا، ونفتخر به، ونعتبر أنفسنا امتدادا له، وتمنعنا قيم الإسلام والمسيحية من امتهان كرامة الإنسان أو تحقيره عموما، فما بالك لو كان ملكا، حنيفا، مصريا؟
الكنيسة القبطية الأرثوذكسية «مصرية» يا بارتولدي! ومنهجها أن التعايش حياة والتسامح أسلوب حياة وقبول الآخر هو جودة حياة، ولكن ليس فى تسامحها خنوع أو فى تعايشها تبعية، بل هى حرة الروح والقلب وحافظة لتراث الأجداد، فلا تقبل امتهانه أو تتعايش مع احتقاره.
والأزهر «مصرى» يا بارتولدى! ومنهجه وسطى سمح لا يتشدد فى الدين أو يقبل التفريط فيه، وإن كان شيخه الأكبر سوربونى الدرس إلا أنه مصرى مسلم أزهرى.
كمصرى له صفة ومصلحة فى رأب صدعه الحضاري، أناشد قادة قلوب المصريين ومُرشديها التصدى لبارتولدى ومن خلفه! فقيم الأديان وحقوق الإنسان وثوابت التاريخ تطالبنا بصحوة الكرامة الروحية والحضارية، بمنتهى الموضوعية المتحققة للأسف، ونصمت عنها حتى الآن!
* محامى وكاتب مصرى