نحن بحاجة إلى زيادة قدرتنا على إدارة الاتفاقيات التجارية مع الدول الأخرى، كان هذا أهم ما ذكره وزير التجارة الخارجية والصناعة المهندس رشيد محمد رشيد، أمام أعضاء الشعبة العامة للمصدرين في لقاء السحور، الذي جمعه معهم الأسبوع الماضي.
لم يفتقر رشيد إلى الشجاعة، ليعترف بأن جهود الوفود المصرية في كل ما شهده من مفاوضات، بشأن هذه الاتفاقات حتى الأن، تتركز بالأساس فى رفض طلبات الأطراف الأخرى، ووضع العراقيل أمامها، بهدف منع منتجاتهم من النفاذ إلى أسواقنا، وفي المقابل لا يطرح المفاوض المصرى طلبات محددة، ربما ألقى على المائدة بطلب أو أثنين على الأكثر -على حد تعبير الوزير-، لا يكفيان لمواجهة ومقارعة سيل الطلبات، التي يحدد به الطرف الأخر موقفه، أو بعبارة أدق مصالحه التجارية.
في اعتقادي أن ما أشار إليه الوزير، لا يقتصر على عقلية المفاوض التجاري المصرى فحسب، وإنما يعبر عن حالة عامة ضاربة الجذور في عمق الثقافة المحلية، فنحن بصدد عقلية جمعية عامة، لا تعرف معنى التفاوض، وكيف تعرفة وهى تفتقد الثقة بالنفس، وتجهل قدراتها الحقيقية، وتعجز بالتالي عن وضع رؤى وأهداف، تصبو إليها .
فلم يكن مصادفة أن يؤكد وزير التجارة في نفس اللقاء، أنه لا يستطيع أن يحدد على وجه الدقة، حجم صادراتنا إلى العالم الخارجي، لتضارب البيانات و الأرقام المعلنة بين أكثر من جهة مصدرة لها، كالبنك المركزى وزارة التخطيط وغيرها، بل واختلاف هذه البيانات المختلفة أصلا مع نظيراتها، المعلنة من جانب الأسواق، التي نقوم بالتصدير إليها .
ولم يكن غريبا، أن يسبق تصريحات وزير التجارة بعدة أيام، اعترافات شبيهة لوزير الاستثمار أمام الجمعية المصرية للأوراق المالية .. يشكو فيه بدوره من عدم قدرته على تحديد قيمة الاستثمارات الاجنبية في مصر، بسبب تضارب الأرقام المعلنة من أكثر من جهة .
أن سلوك المفاوض المصري على مائدة المفاوضات التجارية الخارجية، يماثل ما يمارسه المسئولون و الوزراء – على الأقل قبل قدوم الحكومة الحالية-، فيما بين بعضهم البعض، فكل منهم لا يشغله ماذا يريد لوزارته أو الجهة المنوط بها إداراتها، بقدر ما ينهمك في عمليات تكسير عظام الأخرين، ومنعهم من التغلغل إلى مناطق نفوذه، وضرب أي بادرة نجاح قد تلوح في الأفق، لمسئول زميل هنا أو هناك!.
ولك أن تتساءل .. أي تفاوض هذا، الذي تستطيع أن تقوم به عقلية، تعانى مشاكل نفسية، وارتيابا، تجاه التعامل مع الأخر ، أيا كان موقعه أو حجمه أو جنسه أو ديانته؟!.
عقلية لا تعرف منطق المصالح المشتركة، وتنطلق بدلا من ذلك من قاعدة نفي الأخر، وفي أفضل الأحوال الاعتراف به في خانة المتأمر، لأنه ببساطة تجرأ أن يطمع كما نطمع، وأن يعمل على تحقيق ما يراه – ويا للعجب العجاب – مصالحه المشروعة كما نفعل، أو بعبارة أدق كما ينبغى أن نكون فاعلين!.
هذا «التجاسر» من قبل الأخر من ناحية، وعدم معرفتنا بقدراتنا الحقيقة، المشوب بتدهور معدلات الثقة بالنفس إلى مستوى الصفر تقريبا-والذي ينتج عنه حالة هستيرية واضحة من ادعاء الريادة والعظمة مصاحبة باتهام الجميع بالتأمر- من ناحية أخرى، يفرزان في حقيقة الأمر، ذلك السلوك العبثى التدميري، سواء على مستوى المفاوضات التجارية، أو مستوى العلاقات التكاملية -أو ما يفترض أن يكون كذلك- بين المسئولين بعضهم البعض.
بل إن ذلك السلوك وهذه العقلية وتلك الثقافة العامة، قد تسببت إلى حد كبير في قصة الفشل العظيم، للتعامل مع ملف استضافة مونديال ٢٠١٠، وبالطبع فى صدمة الحصول على الصفر «المتين»، إذ كيف يتجاسر الأخرون على منافستنا في حقنا المشروع بفعل الريادة وعوامل الجغرافيا والتاريخ، والأغرب من ذلك، ينجحون فى انتزاع ذلك الحق لأنفسهم!، لابد وأنها إذن المؤامرة الكبرى!.
ونعود إلى الاقتصاد، والذي هو جزء من كل، والاهم أنه ما نعول عليه، أن يكون نقطة البداية، للتغيير الشامل، الذي نصبوا له، ليس فقط بسبب أن الحكومة والحزب قد أجلا كافة الاصلاحات الأخرى إلى إشعار آخر، وإنما لأن التغيير الوزاري الأخير، قد أناط عملية الإصلاح الاقتصادي بمجموعة من الوجوه، يرى الكثيرون ونحن منهم، أنها تمتلك عقلية مختلفة عن العينة السائدة في المجتمع ككل.
وكان من الطبيعي أن يطرح هؤلاء تساؤلات جدية عن الوضع القائم، كقاعدة للانطلاق إلى وضع رؤية واضحة للمستقبل، وأهداف طموحة يمكن الوصول إليها فى إطار هذه الرؤية
والسؤال الأن : هل تستطيع مجموعة الإصلاح الاقتصادي النجاح، دون أن يتواكب مع خطواتها إصلاحات موازية على المستويات السياسية والتشريعية والثقافية والاجتماعية؟.
احتفظ بإجابتي لنفسى، وأترك لكم حرية اختيار الاجابة المناسبة عن السؤال، ومن أراد منكم البوح والمشاركة فليراسلنى على البريد الالكترونى التالى:
[email protected]
حازم شريف
8:14 ص, الأحد, 31 أكتوبر 04
حازم شريف
8:14 ص, الأحد, 31 أكتوبر 04
End of current post