في عصر تتصدر فيه أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية المشهد، لا يزال لصوت نقرات الآلة الكاتبة وجود في بعض أرجاء الولايات المتحدة، حيث تستمر هذه الأجهزة الميكانيكية في أداء أدوارها التقليدية داخل المكاتب والشركات.
في متجره الصغير بمدينة بواتكيت بولاية رود آيلاند، يستقبل مايك مار زبائنه يوميًا، يحملون آلات كاتبة قديمة يكسوها الغبار وتحتاج إلى صيانة شاملة، مع أكثر من 20 عامًا من الخبرة في إصلاح هذه الآلات، يدرك مار مدى تعلق زبائنه بها، حتى في عام 2025، حيث لا تزال العديد من الشركات تعتمد عليها في أعمالها اليومية، يقول مار: “نحن نصلح ما بين 20 إلى 25 آلة كاتبة أسبوعيًا… أليس هذا جنونيًا؟”
مار ورث هذه المهنة عن جده الذي أسس شركة “مار للمعدات المكتبية” عام 1953، وقد شهدت الشركة ذروتها عندما أصبحت موزعًا رسميًا لآلات IBM الكاتبة، حيث كانت الشاحنات المحملة بهذه الأجهزة تتدفق بلا توقف لتلبية الطلب المتزايد، وفقا ل بي بي سي.
لا يزال العديد من المحامين والشركات القانونية يعتمدون على الآلات الكاتبة لإنجاز أعمالهم، ومنهم مكتب المحاماة “توماسو & توماسو” في رود آيلاند، حيث يقول جون توماسو، أحد الشريكين: “لا يمر يوم دون أن نستخدم الآلة الكاتبة، فهي ما زالت الوسيلة الأفضل بالنسبة لنا”، إضافة إلى الدقة والوضوح، توفر الآلات الكاتبة ميزة أمنية، إذ يصعب اختراقها مقارنة بالأنظمة الرقمية المتصلة بالإنترنت.
وفي مدينة ميلووكي بولاية ويسكونسن، لا يزال وودي جارفيس، صاحب وكالة عقارية، يستخدم الآلة الكاتبة لإدخال التعديلات على العقود دون الحاجة لإعادة طباعتها بالكامل، مما يوفر الورق ويقلل الهدر، يقول جارفيس: “أنا من المدرسة القديمة، وأعرف جيدًا كيف أجعل الأمور تسير بسلاسة مع هذه الآلات”.
إرث مستمر رغم العصر الرقمي
رغم التطور التكنولوجي، لا تزال الآلات الكاتبة تحتفظ بمكانتها في بعض القطاعات، بل إن بعضها يُستخدم كوسيلة فنية أو لهواة جمع المقتنيات. ليزا فلودينغ، التي تعمل في “معهد ميلووكي للفنون والتصميم”، تمتلك 62 آلة كاتبة، وتستخدمها يوميًا في تدوين الملاحظات وكتابة الرسائل، تقول فلودينغ: “هناك شيء مغرٍ في رؤية آلة كاتبة جاهزة بورقة تنتظر كلماتك”.
ورغم مرور قرن ونصف على اختراع أول آلة كاتبة تجارية، يبدو أن هذه الآلات الميكانيكية لا تزال تجد مكانها في عالم الأعمال، حيث يصر عشاقها على إبقائها قيد الاستخدام، ليس فقط بدافع الحنين، ولكن لأنها ببساطة تؤدي وظائفها بكفاءة لا تزال تفتقدها بعض التقنيات الحديثة.
ازدهار مستمر.. كيف تحافظ الآلات الكاتبة على مكانتها في عالم الأعمال الحديث؟
رغم التطور التكنولوجي وانتشار أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية، لا تزال الآلات الكاتبة تحتفظ بجاذبيتها في بعض القطاعات بالولايات المتحدة. في مدينة ميلووكي، اجتمع عشاق الآلات الكاتبة في فعالية “كويرتي فيست”، التي احتفت بالآلة الكاتبة ولوحة مفاتيح “كويرتي”، تخليدًا لذكرى كريستوفر لاثام شولز، مبتكر أول آلة كاتبة تجارية ناجحة.
يستمر الطلب على الآلات الكاتبة في أماكن غير متوقعة، مثل مكاتب المحاماة، حيث تعتمد عليها شركات مثل “توماسو آند توماسو” في طباعة الشيكات وإعداد المستندات القانونية لضمان وضوح البيانات وتجنب مخاطر الاختراق الإلكتروني. كذلك، لا تزال بعض السجون الأمريكية تشتري الآلات الكاتبة لاستخدامها في المكتبات، نظرًا لعدم سماحها للنزلاء باستخدام أجهزة الكمبيوتر.
في ولاية جورجيا، يدير جيم ريغرت متجر “Typewriters.com”، حيث يبيع أربع إلى خمس آلات كاتبة كهربائية من طراز IBM أسبوعيًا. رغم أن الإنترنت قلّص سوق هذه الأجهزة قبل 25 عامًا، لا يزال هناك زبائن يبحثون عنها، من بينهم مكاتب دفن الموتى التي تستخدمها في إعداد شهادات الوفاة.
صناعة لا تزال قائمة
على الرغم من انسحاب IBM من سوق الآلات الكاتبة في التسعينيات، تواصل شركة “رويال” الأمريكية إنتاجها، حيث تبيع نحو 20 ألف آلة كاتبة كهربائية سنويًا وأكثر من 40 ألف آلة ميكانيكية، التي غالبًا ما تُشترى كقطع ديكور أو لاستخدامها في المكتبات والمعارض.
وفقًا لبول لاندي، الذي يدير شركة لإصلاح الآلات الكاتبة في سياتل، هناك أسباب عملية تدفع بعض القطاعات للاعتماد على هذه الأجهزة. في المستودعات، على سبيل المثال، يُفضَّل استخدامها لملء النماذج الورقية مباشرة، بدلًا من محاولة محاذاة البيانات مع الطابعات الإلكترونية. كما أن بعض الكتّاب، مثل الروائية أنجالي بانيرجي، يجدون أن الكتابة على الآلة الكاتبة تساعدهم على التركيز وتحرير أفكارهم بسلاسة، بعيدًا عن إلهاءات الكمبيوتر.
من بين عشاق الآلات الكاتبة، تمتلك ليزا فلودينج 62 آلة، وتستخدمها يوميًا في كتابة القوائم والرسائل، وحتى العمل في المقاهي. بينما جمعت أنجالي بانيرجي أكثر من 120 آلة كاتبة قبل أن تقلص مجموعتها إلى 80، حيث تبحث دائمًا عن الطراز المثالي الذي يوفر تجربة طباعة مرضية.
في متجره بـ رود آيلاند، يواصل مايك مار، الذي ورث المهنة عن جده، صيانة وإصلاح هذه الآلات، حيث لا يزال يستقبل عشرات الأجهزة أسبوعيًا. وبينما يجري تنظيفها وإعادة تزييتها، تستعد هذه الآلات الكاتبة، التي تجاوز عمر بعضها عقودًا، للعودة إلى العمل، متحدية كل التوقعات باندثارها.