هل أتى على مصر حينٌ من الدهر عرفت معه حقيقة القطاع الخاص؟ وهل مصر 2022 (قطاع عام مخصص) أم (قطاع خاص مُعمم)؟ وهل جودة وأداء خدمات القطاع العام الآن هو ما يحتاجه المواطن والاستثمار المحلى والأجنبى بالجمهورية الجديدة، لتنمية اقتصادية توافق رؤية 2030، وزيادة الناتج المحلى؟
أسئلة كثيرة دارت بمناقشة مصرية، قلبا وقالبا ومستقبلا على شاطئ الخليج، وكان من سعديات طالعى وعطا القدر، أن أطلع وأشارك بالمناقشة بعدة قبعات! كحفيد لياسين مؤسس صناعة الزجاج بمصر المؤمم 1961، كمواطن مصرى يتعامل ويتفاعل مع الخدمات والمنتجات المصرية، وكمحامٍ محتك بالقطاعين العام والخاص والعمل الحكومى، وككاتب يرصد ويحلل الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، لدعم فهمه للوعى الجمعى المصرى ورسالة مصر الجديدة.
من هنا كان سؤالى الافتتاحى لعقّلى المناقشة! هدفت من السؤال العودة للأساس، قبل مفاهيم إنفاذ الاشتراكية والقطاع العام والخاص والمشترك! البداية كانت وتطورت من عهد محمد على حتى 1952، بعمل الفرد لمجموعة أعمال بأقل قدر من الاستعانة بآخرين، مقابل دخل يتكفل بمعيشته، من مهن إنتاجية أو حرفية أو صناعية ساهمت ببناء القطاع الاقتصادى وتغيير المجتمع، فعُرفت عائلات عديدة بأسماء مهنهم كالنجار، والحداد، والخياط، والعطار، وغيرها.
أما شكل العمل الجماعى التصاعدى قبل 1952، فأكبر وأوسع من الفردى، لاعتماده المقومات الأساسية للمشروعات كما نعرفها، كالموارد بشرية، التمويل، الإدارة، التخصص، التسويق إلخ، فعرفت مصر الخدمات والمنتجات الإنتاجيّة، والصناعيّة، والتجاريّة، كالتأمين، البنوك، الغزل والنسيج، الصحافة، الكيماويات، التبغ، الزجاج والبللور، السكر، القطن، قناة السويس إلخ. كان احتضان مصر لجاليات أجنبية والانفتاح الأوروبى، ما سمح بنقل خبرات للمصريين ومعرفة فنية وتدريب وثقافة أعمال، شكلت ثقافة وأخلاق وسلوكيات الطبقة الوسطى العمود الفقرى للاقتصاد. وكانت طبقة المعلمين والموظفين والأسطوات والمهنيين، هى القاعدة التى شكلت ملامح منافسة القاهرة لباريس بالأربعينيات مثلا. فتح الأسواق وتوفر المنافسة وتحجيم التضخم واعتدال الأجور وتوفر التدريب ومقاييس الجودة، جعل خدمات ومنتجات مصر عالمية، فكانت المشاريع تنمو، الطبقة المتوسطة قوية وراضية، مصر دائنة لإنجلترا، معدلات أرباح البورصة تنافس أوروبا. ولكن كل ذلك لا ينسينا مساوئ الاقتصاد قبل الثورة، بسيطرة الأجانب على قطاعات حيوية، بطالة قوية، شبه قصر المدنية على القاهرة والإسكندرية ومدن القناة بسبب قناة السويس، انعدام تنمية الريف والصعيد، ارتفاع معدلات الفقر والمرض، سوء توزيع الثروات، فوارق اجتماعية صارخة بين (البابيون واللبدة) إلخ!
ورغم ذلك لا ننكر تطور ثقافة الأعمال بمصر – من 1937 / 1952 – لتقديم واستقبال الخدمات وجودة الإنتاج المتداول سوقيا، بسبب فتح الأسواق وحرية التجارة والمنافسة والتدريب الأجنبى والتركيز على المواطن (حدثنى محمود باشا صالح الفلكى وكيل اول وزارة الصناعة عام 1935 – رحمه الله – أنه رفض طلب جدى ياسين بك، بمنع استيراد الزجاج البلجيكى لحماية صناعة الزجاج المصرية الوليدة! وقال لو أغلقت الاستيراد، لن تجد منافسة يا بك! ولن تهتم بحفظ الجودة ورفع المنتج المصرى للعالمية، ولكن سأمنع استيراد البلجيكى لمدة 5 سنوات متناقصة، حتى تستعد وتؤهل نفسك وتكون قادرا للمنافسة بعد 5 سنوات وعودة الزجاج البلجيكى، ليكون قرار المواطن هو الفيصل)!
مظاهر وسلبيات تجربة العمل الفردى والجماعى (أو القطاع الخاص) قبل الثورة، كانت من الأسباب الجوهرية لإنقاذ ثورة 52 للوضع وبداية عهد جديد، فبدأت بتمصير بعض المصالح الأجنبية بعد تأميم قناة السويس، ثم بدأت التأميم 1960، ثم القوانين الاشتراكية يوليو 1961، وبهذه الإجراءات تكون القطاع العام وبدأ ينمو بمكون أساسى الشركات المؤممة، لتقوم الدولة بمشروعات وشركات تمولها تنفيذا لبرامج التصنيع المتتالية. انطلق القطاع العام ليحتوى كل الخدمات والمرافق والمؤسسات العامة والخدمات الحكومية، بما فيها البنية التحتية وانفاذ القانون والتعليم والصحة الخ. انطلق بكل الموارد البشرية المؤممة أيضا، وخبرتها المعرفية الأساسية والقديمة قبل الثورة، المؤثرة على جودة الخدمات وانتظامها، وبالتوازى صفى القطاع الخاص الأجنبى بمصر، ترحيل الأجانب، تجريف الكوادر الأجنبية بالصناعة والزراعة والإنتاج والتجارة! لتندثر طبقة (تربية الخواجات) بالخدمات والإنتاج والجودة بمشاريع وشركات القطاع العام، ويحل محلهم أولاد مكاسب الاشتراكية، بتقليل ساعات العمل عن القطاع الخاص، الاستقرار الوظيفى ودخل الموظف على حساب جودة الخدمة والمنتج، إجازات وأعياد تلتهم زمن العمل، انعدام المنافسة ونقل المعرفة الفنية والتدريب المواكب للتطور العالمى، بتقزيم مواهب وإبداع العقلية المصرية!
استمرت هذه المنظومة للآن، رغم النقلات الجبارة للدولة لمحاولات تصحيح المسار، والمحصلة كما وردت بورقة بحثية، حمل الدولة عبء الخدمات الحكومية، وتجميع الإدارة والإشراف والتقييم بذات الجهة، شيوع المسؤولية الاقتصادية لأداء الخدمات الحكومية، والنتيجة خدمات غير مفعلة وبتكلفة عالية وجودة حرجة! وعليه صممت الورقة منهجية جديدة للإسهام بدعم رفع الناتج المحلى، بفصل مقدم الخدمة عن المشرف والرقيب عليها، ضمانا لجودتها وانتظامها، فتكون الدولة كجهة، وتحويل وحدات الخدمات الحكومية الحالية لإدارة مُستقلة لوحدات الخدمات الاقتصادية التنافسية، بالشراكة بين القطاعين الخاص والعام بنسبة من %15-7.
هذا المفهوم الجريء للمنظومة، يدعو لاستقلال وانفراد الدولة بامتلاك ووضع منظومة مقاييس الجودة والإشراف والرقابة، ومنهجيات للوحدات الاقتصادية الجديدة والتنفيذ والتدريب عليها، وإنشاء الأنظمة المصاحبة لها وتمثيل الحكومة بمجالس إدارة هذه الوحدات، وذلك مقابل طرح هذه الخدمات لمناقصات عالمية، تضمن تطوير أداء هذه الخدمات وربحها وراحة وأمان المواطن. على صعيد آخر تتضمن الورقة، مستقبلا ذكيا لـ7 ملايين موظف حالى بالخدمات الحكومية! باستمرارهم مع الوحدات الاقتصادية الجديدة، بسوق تنافسية، أجور حرة، زيادة مستوى الرضاء الوظيفى، تحسين الدخل، تطوير التدريب، تفاعل مع المسؤولية الاجتماعية للشركات، بما يثمر بالنهاية خدمات حكومية بموظفين مصريين، يترقون للمنافسة الحقيقية.
تصميم التحول لوحدات الخدمة الاقتصادية، بالشراكة بين كيانات المنظومة الاقتصادية، وزيادة قنوات الخدمة (عبر العطاءات والمناقصات)، من خلال مراقبة وضمان جودة الوحدات المذكورة، يرفع عن الدولة عبء الخدمات وتحجيم مسؤولية أدائها، ويعيد الاقتصاد لحلبة العالمية، والانتقال من مفهوم الربحية بغض النظر عن الجودة، لخدمات تحترم رضا العميل. بهذا المفهوم، تسيطر الدولة على خدماتها وتتفرغ لمهامها الجوهرية بحماية حدودها وتأمين شعبها وتنمية اقتصادها، لترتفع فوق الخدمات المدارة عن بعد لصالح المواطن.. وهذا أمل المواطن فى الجمهورية الجديدة!
* محامى وكاتب مصرى