إستراتيجيات تسويق الفساد والفشل!

إستراتيجيات تسويق الفساد والفشل!
محمد بكري

محمد بكري

7:00 ص, الخميس, 28 ديسمبر 23

هل الفشل ذاتى داخلى، أم مقصد خارجي؟ وهل هناك علاقة بين الفساد وثلاثى الفشل “الفشل والتفشيل والإفشال”؟ بل هل هناك استفادة من الفشل والفساد لدرجة تسويقهما بغرض استمرار ثمارهما؟

يقول أندريه جيد “كل ما يجب قوله قد قيل سابقا، لكن طالما لم ينصت أحد، فيجب قول كل شيء مجددا”. يمكن استخدام ذلك فى العلاقة بين الفشل والتغيير! فلنحت التغيير يلزمنا جمع الأفكار، وكلما جمعنا أفكارا جيدة، ازدادت قدرتنا على اختيار أفضلها لتنفيذها، وبدلا من اختراع العجلة فقد يكون تطوير التحكم فيها أو تغيير صور استخدامها أو زيادة سرعتها أو تركيبها على جسم آخر، إحدى طرق الابتكار لننفى عنها صفة الجمود والفشل.

فالعلاقة بين الفشل والتفشيل والإفشال علاقة مركبة، يلعب فيها الفساد دورا كبيرا لتحقيق نتائجهم! فكثيرا ما يكون ثلاثى الفشل هدفا فى حد ذاته، يبتغيه ويسوق له المستفيدون من الفساد، لاستمرار وضع معين يخدم مصالحهم، بغض النظر عن النتيجة النهائية لباقى مكونات الكيان أو المكان أو العمل الذى يحيون فيه ويتعاملون معه! أخطر عنصر يدمنه الفسدة هو التلاعب بطريقة تفكيرنا، لجعله محدودا فى خوفنا من الفشل ذاته واستمراره وإمكانية الخروج منه (سياسة مفيش فايدة)! نتيجة تسويق الفشل والفساد هو استكانتنا لعدم قدرتنا على مقاومة الهزيمة والتركيز على العوائق بدل الفرص.

من هنا اهتممت ببحث العلاقة بين الفشل والتفشيل والإفشال! يقع الفشل؛ عند عدم تحقيق الهدف المرجو أو النتيجة المتوقعة لظروف خارجة على السيطرة (خطط غير مناسبة، قرارات سيئة، أو عدم كفاية الموارد) – أما التفشيل؛ فهو الوضع القانونى الذى يتعرض له الشخص أو الكيان عندما يعجز عن سداد ديونهم، فتتم إجراءات قانونية خاصة لإدارة وتصفية الأصول وتوزيع الأموال بين الدائنين بالأولوية، أما الإفشال؛ فحالة مالية يكون فيها الشخص أو الكيان عاجزاً عن تلبية التزاماتهم المالية الحالية أو المستقبلية، فتتجاوز الاستحقاقات المالية لقدرة سدادها مؤقتا أو دائما (طبقا للظروف وقدرة إعادة هيكلة الديون أو تحسين الوضع المالي)، هنا يتعين على أهل الإفشال البحث عن حلول مالية وإدارية للتعامل مع الأزمة للخروج منها.

فإذا أضفنا لذلك أن العوامل المؤدية / المسببة للفشل داخليا/خارجيا قد تكون؛ سوء التخطيط والإدارة، عدم كفاية الموارد، تغييرات السوق، الفساد، سوء الاختيار والقرارات السيئة، الديون الزائدة، استغلال الهوى الجامح أو الطموح الفائر.. فإنه يمكن لثلاثى الفشل مصادفة الفرد، الشركة، بل والدولة أيضا! الخطورة الحقيقية هى تعاملنا مع نتائج الفشل كحقيقة نهائية، والخوف من استمرارها يجعلنا نستجيب بولع لمصادر عواملها لزيادة حجم الفقاعة المحتوية لخوفنا من قدرتنا على هزيمة الفشل..والفساد! المحصلة تكون دوما تأصل فكر، وسلوكيات، ومناهج، وصور الفساد لتسويق المستفيدين من الفشل، ولو على حساب المجموع (الفرد، الشركة، الدولة).

لترجمة النظرى لعملي؛ فالمستفيدون من الفساد ومسوقوه ممكن أن يكونوا، المسؤولين الحكوميين الفاسدين المستفيدين من الأموال والمكاسب غير القانونية، الأفراد والشركات الخاصة مستخدمى الفساد لتحصيل صفقات تجارية مربحة أو تجاوز القوانين واللوائح، وسطاء الفساد المساعدين بتسهيل وتنظيم الممارسات الفاسدة والصفقات غير الشرعية، المجتمع المدنى والمواطنين المستفيدين من الفساد بتحصيلهم لخدمات ومعاملات تفضيلية دون الالتزام بالقوانين والأنظمة. يحترف المستفيدون من الفساد أدوات جيدة التوصيل للتفشيل والإفشال، كالرشوة والتحايل، التلاعب بالإجراءات والقوانين، تعزيز ثقافة الفساد وتبريره وتقديمه فى صور فنية مختلفة تشوه القيم الأخلاقية والنزاهة.

من هنا كانت إستراتيجيات تسويق الفشل والفساد من أخطر أسلحة المنافسة غير المشروعة (على مستوى الأفراد والشركات والدول)، التى يحرص عليها مُحدثو النجاح أو صائدو الفرص أو أغنياء الحرب! فلمصلحة نموهم وثرائهم وتطورهم يحرصون على دعم وتطوير المستفيدين من الفساد لتنفيذ هذه الإستراتيجيات، ليظهر تطورهم أمام فشلنا (وهو فى الحقيقة تفشيلنا وإفشالنا).

كثيرا عندما يعاد قول ما هو معروف – بصورة جديدة وفى وقت مناسب – تكون هناك فرصة لإعادة اكتشاف ثلاثى الفشل، ومحاولة نحت طرق تفكير جديدة، بعقول جديدة، ومنهجيات جديدة لوقف خوفنا من هزيمة الفشل وتعودنا عليه، وبالتالى التسرع فى إخراج حلول ترتدى مصائب نتيجة عدم التخصص، أو غياب الخطة الإستراتيجية ودراسات الجدوى، أو التعامل بسياسة الجزر المنفصلة، أو تجاهل واقع السوق، أو توخى حلول جديدة من هياكل تنظيمية قديمة، عدم تغيير معايير اختيار فرق العمل… إلخ، ولكن لا يمكن وصف السابق بمحاولات تغيير حقيقية قد ينتظرها النجاح!

من أهم تحديات 2024 محاولة رصد إستراتيجيات تسويق الفشل والفساد داخليا وخارجيا! ومواجهة حاجتنا لتغيير جوهرى فى خوفنا من ثلاثى الفشل، على مستوى المواطن والقطاع الخاص والأجهزة الحكومية! وبقدر ضخامة فقاعة الفشل الثلاثية التى يتمسك بها المستفيدون، بقدر ضخامة وروعة مواردها، قيادتها السياسية، عقول أبنائها، قوة جيشها! ومع ذلك فمستفيدو الفساد حريصون على تفشيل واقعها وإفشال قدراتها بصورة مستمرة، اغتناما لمكاسب ومغانم فردية أو فئوية على حساب تاريخ وشعب ومستقبل مصر.

أعظم خطأ نقترفه فى حياتنا هو تخوفنا من استمرار وقوعنا فى الخطأ، وتعودنا مضغ العوائق مع فنجان القهوة، وتصفحنا الفرص مثل إعلانات الفيسبوك، وتعاطينا التدريب والتنمية البشرية كشهادات للحصول على وظيفة بالسعودية أو الخليج! طبيعى أننا نعاصر ثلاثى الفشل من فترة، ولكن الاستفادة من الخسارة سر الفوز، وتلهفنا على تنمية وثراء بالديون قد يكون فخا يكلفنا أضعافًا مضاعفة لما نتوقع اغتنامه! فالتركيبة المصرية (مواطن/قطاع خاص/ حكومة/ جيش) ثرية جدا وقوية جدا، وكل شواهد التاريخ تثبت ذلك حتى فى أقسى ظروف التاريخ، فقط نحتاج وعيًا فوقيًا بإستراتيجيات تسويق الفساد والفشل، ومناهضته بنموذج مصرى لخطة حقيقية للتغيير!

هناك أمثلة كثيرة لدول كانت تُعتبر فاشلة أو مُصنّفة بأنها فاسدة، ونهضت وأحدثت تحسنا كبيرا بواقعها كسنغافورة بعد الفقر والفساد المطلق والاضطرابات الاجتماعية، راوندا بعد الإبادة الجماعية 1994، ألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، اليابان بعد الانكماش الاقتصادى فى التسعينيات، أيرلندا بعد الانهيار المالى فى العقارات والتمويل 2008، وغيرها من نماذج.

بداية 2024 و6 سنوات مرحلة رئاسية جديدة، تعزز وتطالب بالتصدى لثلاثى الفشل فى المواطن والقطاع الخاص وأجهزة الدولة، بخطط عاجلة مدروسة تعيد دراسة الخدمات والمنتجات الحكومية، إعادة تنمية القطاع الخاص وعلاقته بالجيش والدولة، تحرير دخل الفرد، تحجيم سياسة الجباية مقابل إطلاق تحرير الاستثمار وإعادة هيكلة الضرائب، غربلة المستفيدين من الفساد، والقائمة طويلة ولكن الوقت لم ينفد بعد – فكلنا إيمان بحدوث ذلك قريبا.

* محامى وكاتب مصرى

[email protected]