لم تعد مسارات العلاقات الدولية فى العقدين الأخيرين.. على ذات النحو الذى كانت عليه كخطوط مستقيمة عقب الانفراج غير المحدود بين القوى الكبرى عشية التسعينيات، ولصالح الأحادية الغربية فى معية القطب الأميركى المهيمن منذئذ على النظام الدولى، ولنحو ربع قرن تال، قبل شيوع الفشل فى قيادته لأسباب عديدة، إذ لا تستقيم مراميه إلا وتلتوي سياساته وتتقاطع من جديد فى تضارب بين مصالح القوى الكبرى قديمها وجديدها، وعبر التنافس على استقطاب اقتصادات ناشئة.. وقوى إقليمية صاعدة تتطلع إلى مكانة لائقة فى ظل نظام دولى تعددى.. أكثر عدلًا، ومن خارج الصراع بين أطرافه العظمى الساعية بدورها لتطويع حلفاء جدد فى أقاليم العالم المختلفة، سواء فى الشرق الأوسط أو المحور الآسيوى أو من شرق أوروبا إلى الفضاء السوفيتى السابق، وذلك من خلال سباق التسلح إلى الصدامات العسكرية بالوكالة إلى الحروب التجارية.. وفرض العقوبات المالية، وما إلى غير ذلك من نزاعات ومواجهات إقليمية دولية تتصارع فيها الدول الكبرى لتحقيق مصالحها، وحيث تدور فى هذا السياق الأزمة الأوكرانية مثالًا بين القوى الغربية لضمّها إلى النادى الأوروبى، وبين روسيا الحريصة لضمان أمن محيطها الحيوى، وبجانبها الصين المتطلعة بدورها لأن تقف روسيا إلى جانبها حين تتخذ بكين قرارها لاسترداد “تايوان” ضمن “صين واحدة”، وفى إطار تكاملهما السياسى والاقتصادي التاريخى المتوجس بكثير من الريبة لتوسع حلف الناتو شرقًا نحو روسيا المتاخمة للصين، ما سوف يعزز من قبضة الشوكة الغربية للاحتفاظ بتايوان التى تنتج نحو %90 من الشرائح الإلكترونية (micro chips) الأكثر تطورًا فى تشغيل قائمة طويلة لمعظم ما يستعمله البشر فى حياتهم اليومية، وفى هكذا صراع بين الشرق الإمبراطوري والغرب الأطلسي .. لا ينبغى إغفال شواهد الغيرة السياسية بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين.. لئلا يتساووا معها فى المكانة، كما بين روسيا والصين من ناحية أخرى عمن يصبح الشريك الأكبر فى تحالفهما، الأمر الذى قد يتيح للدول الإقليمية والصاعدة مساحة من حرية المناورة تتحرك خلالها بين المعسكرين وفقًا لمصالحها الذاتية التى قد لا تتطابق أولوياتها بالضرورة مع مصالح القوى الكبرى، سوى بالخصم من رصيدهم الإقليمي التنموى الصاعد، وحيث من المفترض أن يكونوا أبعد نظرًا لعدم الانزلاق مجددًا فى أتون حرب باردة تتفاقم نذرها مجددًا فى الأفق، خاصة ولم يعد القلق من الأيديولوجيا أحد عوامل الصراع السابق بين المعسكرين، ومن ثم تنتقى حتمية الاستقطاب ودواعيه بينهما، الأمر الذى سبق أن أشار إليه فى الثمانينيات الرئيس الفرنسى الأسبق “جيسكار ديستان”، إلا أن الأحادية الأميركية فى سعيها لإحكام هيمنتها على النظام الدولي، وفي إطار تبديد القلق على أمنها إزاء خطط روسية وقواعد صينية في أفريقيا وفي غيرها من قارات العالم، إذ بها لم تلتفت بعولمتها النيوليبرالية إلى مستجدّات التأثير الناشئ عن غياب الصراع الأيديولوجى منذ انهيار الأممية الشيوعية، ذلك إلى أن دهمت الأزمة المالية فى ديسمبر 2008العالم، ما أفسح المجال للآخرين بالتكالب لانتزاع المركزية الأميركية فى العقدين الأخيرين، ولتبرز من ثم قوى إقليمية صاعدة تسعى لمصالحها من خارج النظام الأحادي العالمي الذى أصبح مرتبكًا ومشوشا، سواء من جانب توظيف الدولة العبرية لسيولته- مثالًا- من خلال عمق علاقاتها مع الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبى بحيث أضاعت فرص السلام للفلسطينيين بين اقتراح دولى يعرض خطة تصالح بينهما ترفضها إسرائيل، وبين الرفض الفلسطينى لأى تنازل إضافى، ناهيك عن توظيفها للجذور الراسخة مع روسيا وأوكرانيا التى تسعى من خلالها إلى لعب دور الوسيط السلمى على المسرح الدولى، وليس كصانع حروب، ذلك فيما تضمن لها روسيا أمنها ضد إيران عبر الحدود السورية، كما وتشارك الصين إسرائيل فى مشاريع تقنية متقدمة تثير قلق واشنطن.. التى تصف (في تطور لافت) الاستيطان الإسرائيلى بـ”سياسة غبية”، وأن القدس عاصمة لدولتين، كما لا يغيب من ناحية أخرى عن إيران- كمثال آخر لدولة إقليمية السعي فى خضم تشكيل نظام دولى تعددى مرتقب أن تحقق مصالحها داخل الإقليم عبر اتفاقات (غامضة )مع روسيا والصين، وبالتوازى مع مقارباتها مع الغرب، سواء بإطلاق محتجزين بريطانيين ضمن صفقة مع لندن، أو المطالبة بـ”إرادة أميركية” لحل “موضوعين عالقين”.. لإنجاز مفاوضات “فيينا” بشأن إحياء الاتفاق النووى لعام 2015، فيما تناشد باريس كل الأطراف المعنية بالتوقيع على التفاهم المطروح حاليًّا فى “فيينا”، بينما إيران على حافة دولة نووية، ذلك فى الوقت الذى تدرس واشنطن رفع “الحرس الثورى الإيرانى” من قائمة الإرهاب، فيما تضغط إسرائيل لإبقائه إرهابيًّا، خاصة بعد هجومه الصاروخى مارس الحالى على مقرات إسرائيلية فى “أربيل” بالعراق، ومن دون ردانتقامي لواشنطن، مايزيد من قلق إسرائيل، ربما لقناعتنها من أن يؤدى هذا الإحجام الأميركى إلى تعقيد فرص التوصل إلى اتفاق نهائى فى محادثات “فيينا”، تخشاه إسرائيل، خاصة من بعد توقفه بإعلان مشترك من موسكو ومع طهران، التي تعمل في نفس الوقت بشمكل مباشر مع الأميركيين، ناهيك عما تتجه إليه تركيا كمثال لدولة شرق أوسطية نحو إعادة تموضع شائكة بين النادى الأطلسى والفضاء الأوراسى، أما عن دول الخليج العربية التى ترتبط بعلاقات وثيقة مع الغرب، فإن توالي زيارات وزرائها على موسكو تنبئ بخطاب جديد يحمل رؤية واضحة تدرك المتغيرات الدولية، ذلك فيما مصر التى تتمتع بعلاقات ومصالح استراتيجية مع كافة الأطراف المنغمسة فى صراعات الحالة الأوكرانية، كنموذج لإستنباط نظام دولى تعددى جديد، يتسع للأقطاب الفديمة والصاعدة بسيان، فإن عليها الدعوة لعقد قمة عربية فى القاهرة لئلا يؤدى الإنقسام العالمى إلى انقسام عربى بين المعسكرين المتصادمين، على غرار ما سبق لتجاربهم فى إطار الحرب الباردة المنصرمة، وعلى أن يكون هناك طليعة من دول عربية (…) تأخذ بيدها هذه المبادرات.
فى سياق ما سبق من تلاعب طموحات قوى إقليمية بسياسات متضاربة للقوى الكبرى على النحو الجاري فى العقدين الأخيرين، وفى ظل تحول القلق الأيديولوجى المنصرم غداة التسعينيات إلى صراع قيمى وسوسيولوجى يخفي وراءه أطماعًا جيو اقتصادية.. ما بين نظم الحكم الديمقراطية، ليبرالية وبيروقراطية وشعبوية، ما لا يستدعى إشهار السلاح، إنما إعمال الفكر والتراشق بنظرياته وفلسفاته الداعية إلى شيوع العدل والصداقة بين الشعوب، ولتتجاور المصفّحة بجانب الجرّار لتعمير كوكبنا البشرى مسامي الحدود، والمعرض للتدمير من جانب أزمات المناخ إلى تلوث البيئة، ومن انتهاك حقوق الإنسان إلى الانحطاط الديمقراطى إلى فساد آليات السوق، ومن سطوة المجمعات الصناعية العسكرية (اقتصاد الحرب الدائمة) إلى تفاقم التحدى العالمى المتزايد عامًا بعد عام.. إلى أجل غير مسمى، ربما إلى حين بناء كتلة دولية في المستقبل، ليست مع أو ضد، تواجه القوى الكبرى الأكثر انكشارية، تمهيدًا لإقامة نظام عالمى تعددي جديد أخلى من قلق الأيديولوجيا كما من السطوات الإمبريالية.