هَلْ أَتَى عَلَى مصر حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ تكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا؟ لم ولن يحدث. وإذا كانت إهانة تمثال شامبليون لمصر والمصريين لم تكن تعتبر شيئا مذكورا منذ 1875 حتى 2011، فالواجب الوطنى المصرى يلزمنا فى 2023 أن نعيد ذكرها وشد أزرها بالمحاولة والدعم والدفاع حتى رفعها، ولا نتذرع بالإحباط والانشغال والمصالح، فمصرنا باقية ونحن لزوال. وسيذكر التاريخ لعهد الرئيس السيسى أنه لم يصمت عن التصدى الموضوعى لقضية تمس قيم وتاريخ وحاضر مصر والمصريين، بغض النظر عن نتيجة المحاولة، فما خاب حق وراءه مُطالب. ولكن ما هو الحق وما هى شكل المطالبة؟ هل هو حق متصل بحرية الإبداع، أم قضية الحق فى نُصرة مصر وجيل حاضر وقادم، توغل فى لا شعورهم الدعس البارتولدى بزعم تقديس الحرية المطلقة للإبداع والفنان، واختلاف الثقافات وحسابات المصالح؟
القضية (وليس الأزمة) لا تتعلق بالشأن الفرنسى أو التشكيك فى جهد شامبليون! ولكن ترتبط بوعينا الجمعى بالحق فى قضيتنا. فى استبصارنا للمفهوم الموضوعى الواعى لحرية الإبداع ومسؤولية الفنان التشكيلى عن خطأه الفني. فى استيعابنا لمفهوم الأضرار الباطنية الشعبية والسياسية والإدارية التى اخترقت وعى أجيال عديدة ومستمرة بمنتهى الهدوء والإصرار. فى التيقظ لأن قضية محاكمة بارتولدى وإعلان عدم صلاحية تمثاله شامبليون للعرض العام، لا تمس حرية الإبداع أو فرض قيود عليها، ولكنها دفاع شرعى ضد مُخطئ، غنم من حرفة الإبداع حريته وحاد به لغرضه الشخصي، ليخرج منهما ويدخل فى المسؤولية التقصيرية بالقانون الفرنسى والمصري.
ولكن ما حجتى فى هذه الأطروحة، التى يعتبرها الكثيرون مساسا بثوابت حرية الإبداع وعدم مسؤولية الفنان؟ وهل من سبيل لإثبات المسؤولية الفنية التقصيرية على أوجست بارتولدي، بما يُبيح مراجعتنا للجهات المختصة وإلزامها بإصدار قرار بشأنه؟ وهل القضية فقط فرضية قانونية تؤرق فلسفة القانون نظريا، وتخرج عن عملية حرية الابداع فى تشريعات العالم، أم أننا بصدد ولو حالة فردية يلزم التصدى لها، متى ثبت عليها توفر أركان الخطأ الفنى والقانوني؟
مبدئيا لا خلاف فى تقنين القانونين المصرى والفرنسى لأحكام المسؤولية المدنية، بالمادة 163 «كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض» ومادة 164«يكون الشخص مسؤولا عن أعماله غير المشروعة متى صدرت منه وهو مميز» والمشرع الفرنسى بالمواد 1240 «كل حقيقة من الرجل الذى يتسبب فى ضرر لآخر، يجبره على خطئه الذى نجح فى إصلاحه» و(1241) «الجميع مسؤول عن الأضرار التى سببها ليس فقط من خلال عمله، ولكن أيضا بسبب إهماله أو عدم اكتراثه». و(1245) «يتحمل المنتج المسؤولية عن الأضرار الناجمة عن خلل فى منتجه ، سواء كان مرتبطًا بعقد مع الضحية أم لا» (1245) «قد يكون المُنتج مسؤولاً عن العيب حتى إذا كان المنتج قد تم تصنيعه وفقًا لقواعد الفن أو المعايير الحالية أو كان موضوعًا لترخيص إدارى».
من جهة أخرى يتفق القانونان بأن صفة أو مهنة الفنان، ليست من موانع المسؤولية (كالإكراه والجنون وصغر السن)، ولا من موانع العقاب (كالصلح والعفو)، أو من أسباب الإباحة (كالقيام بواجب والدفاع الشرعي)! فطالما لا يتوفر فى الفنان أو المبدع أى من هذه الأسباب الحصرية، فهو (إنسان) قد يخطئ أو يصيب وتخضع أعماله الفنية إما للنقد الفنى الموضوعي، وإما لوصف الخطأ المسؤول عنه (سواء كان عمديا أو غيره). والقول بغير ذلك يضم حرفة الإبداع وصفة الفنان، لأسباب إباحة ومنع مسؤولية أو عقاب، غير مذكورة فى القانونين أو عالميا!
إذن؛ نحن نتصدى لمسؤولية بارتولدى كإنسان أحدث إبداعه خطأَ ماديا فى ثوب فني، أصاب مصر وحضارتها والمصريين بأضرار حالّة ومستمرة قابلة للإثبات! فإذا أثبتنا عليه كإنسان هذا الخطأ الفني، بمناسبة وبسبب إساءة استعماله لحرية الإبداع فى مهنته، لثبت عليه بالتبعية صحة خروجه من مظلة حرية الفن لدائرة الخطأ المستوجب المسؤولية والمحاسبة. خاصة و(أن الخطأ المهنى هو ذلك الذى يرتكبه أصحاب المهن أثناء ممارستهم لمهنهم ويخرجون فيها عن السلوك المهنى المألوف طبقاً للأصول المستقرة. فالمقياس الشخصى للفنان المخطئ كإنسان، يفترض تقدير الخطأ بالنظر للشخص الذى ارتكبه، فتكون من مقوّماته ظروف الفاعل الخارجية والداخلية ومواهبه وقدراته وطبيعته وكفاءته ورشده واحترازه – ومثل هذا المقياس يستلزم تقصياً ذاتياً ينفذ لدخائل المدعى عليه، استخلاصاً لصفاته الخاصة واستدلالاً على ما انتاب ضميره أو دار فى ذهنه أو جال فى مخيلته عند إقدامه على الفعل الضار) – عاطف النقيب، النظرية العامة للمسؤولية الناشئة عن الفعل الشخصي، المنشورات الحقوقية صادر 1999 ص 135.
تؤكد نجوى أندريوش أن (مبدأ المطالبة القانونية ضد أى عمل إبداعى ان يثبت المتضرر أمورا ثلاثة: صدور الفعل الضار، وحدوث ضرر، وعلاقة سببية بينهما)، واستحضارنا الواعى لصورة تمثال بارتولدى لشامبليون داعسا بحذائه رأس ملك مصري، يُثبت بصفة ظاهرة ومباشرة لعين المُتلقى العالمى توفر فعل فنى ضار، تاريخيا، وثقافيا، وحضاريا، وحقوقيا (بوصف الحضارة المصرية القديمة إرثا إنسانيا عالميا). ومع كل احترام للثقافة والشأن الفرنسى والمتفرنسين وأصحاب المصالح ومُفضلى الإحباط ومناصرى حرية الإبداع، فحق مصر علينا أن نوقف التفكير النعامى والنرجسية الفنية، ونضافر جهودنا لإثبات هذا الخطأ وأضرارنا وعلاقة السببية بينهما.
وطالما ثبت أن بارتولدى كإنسان قبل أن يكون فنانا، لا تتوفر له أسباب إباحة أو موانع مسؤولية أو عقاب، فالباب مفتوحا لمناقشة مدى احتواء عمله الفنى شامبليون على وصف الفعل الفنى الضار، لنستعرض فى المقال القادم الأسس الفنية لإثبات هذا الفعل الضار، تدعمنا الوقائع التاريخية، ومقومات ظروف الفنان الداخلية والخارجية، وبرأى الكوليج دى فرانس ذاتها، وحالات المثل المعاصرة للفنان، والأضرار التى أصابت مصر والمصريين من فعله الضار.
فنيا وقانونيا؛ فأوجست بارتولدى الإنسان، مسؤولا عن خطئه الشخصى كفنان، فى صنيعته تمثال شامبليون، ولا علاقة بالحق فى قضية مصر والمصريين ضده، بالإطار العام لحرية الإبداع ولا أريحية الفنان ولا الكرامة الفرنسية لحفظ تراثها الثقافى الحديث. دعونا نؤطر معطيات القضية بموضوعية وحرية حتى لا نفقد الحق فيها، ولنفكر كمصريين مازال مدعوسا على هويتنا واعتبارنا وكرامتنا، ومع ذلك نؤثر تربية النعام فى عقولنا وعزائمنا، حتى لا تصح فينا مقولة محمود درويش (من رضع الذل دهرا. رأى فى الحرية خرابا وشرا)!
والله المستعان على ما يصفون!
* محامى وكاتب مصرى