أوكرانيا- احتمالات الحرب وانعكاساتها على أوروبا وروسيا وأمريكا والصين

أوكرانيا- احتمالات الحرب وانعكاساتها على أوروبا وروسيا وأمريكا والصين
طارق عثمان

طارق عثمان

11:13 ص, الأحد, 21 نوفمبر 21

هناك تقديرات غربية جادة تتحدث عن أكثر من مئة ألف عسكرى روسى على الحدود الروسية الأوكرانية. وفى أقل من أسبوعين حدثت تحركات أوروبية كلها تدور حول أوكرانيا. بريطانيا أعلنت أنها ستبيع لأوكرانيا نوعًا متقدمًا من الصواريخ. فرنسا أعلنت عن دور فى الدفاع عن وحدة أوكرانيا. والأهم، ألمانيا جمدت اتفاق – Nord Stream 2) والذى تحدثنا عنه فى هذا العمود من قبل(، وهو خط أنبوب ينقل الغاز الروسى إلى ألمانيا خارج عن سيطرة الدولة الأوكرانية. وقبل كل ذلك كانت هناك زيارة أمريكية رفيعة المستوى إلى أوكرانيا.

القلق الغربى ليس اجتياحًا روسيًّا بالمعنى التقليدى لأوكرانيا، ولكن من تطورات تصمم ثم تصنع على الأرض، تصل الأمور بمقتضاها إلى سيطرة روسية على أجزاء من شرق أوكرانيا، وتلك منطقة ذات قرب ثقافى كبير من روسيا.

السؤال الكبير هو : ماذا يمكن أن يفعل الغرب إذا تحركت روسيا نحو أوكرانيا ؟

هناك عدد من الديناميكيات :

واحد : أى رد أوروبى لا بد أن يكون متحدًا فى الهدف والأسلوب. اتحاد الهدف يعني أن تكون أوروبا متفقة على ماذا ستريد بالضبط من روسيا. اتحاد الأسلوب يعني أن تكون أوروبا متفقة على درجة استخدام الضغط الاقتصادي على روسيا. لكن مثل هذا الاتحاد غير واضح، وحتى أسابيع قليلة كانت الصورة عن روسيا مختلفة تمامًا من عاصمة لأخرى. فمثلًا بينما كانت لندن شديدة الحزم تجاه موسكو، كانت برلين وراء الاتفاق الألمانى الروسى حول الغاز.

اثنان : إذا حدث تحرك روسى، أوروبا ستكون وحيدة إذا قررت مواجهة روسيا إستراتيجيًّا – بإستخدام وسائل ضغط مختلفة على روسيا. ذلك لأن أمريكا تركز بشكل واضح على مواجهتها الإستراتيجية القادمة مع الصين، ولا تريد الدخول فى أى صراعات تلهيها عن المسرح الآسيوى الكبير، وخاصة مسرح شرق آسيا وهو أهم ميادين تلك المواجهة الإستراتيجية الأمريكية الصينية. وذلك بدا شديد الوضوح فى الانسحاب الأمريكى من أفغانستان بأى شكل وبأسرع وقت، كما هو باد فى التغيرات التى تجريها أمريكا الآن فى درجات وأنواع وجودها فى الشرق الأوسط. معنى ذلك أن أمريكا لا شك ستكون مع أوروبا فى بعض النقاط الاقتصادية واللوجيستية، وطبعًا فى إقرار عقوبات إذا حدث تقدم روسى نحو أوكرانيا. لكن أمريكا لن تقود الرد الغربى فى هذا الأمر.

ثلاثة : هناك تقدير أمريكى معروف فى دوائر الشئون الدولية أنه على أوروبا أن تتحمل مسئوليات أكبر بكثير فى الحساب الإستراتيجى الغربى. والقول فى واشنطن إنها لا تطلب من أوروبا التزامات كبرى فى مناطق بعيدة عنها – فقط أن تكون فى صدارة المواقف المتعلقة بالجوار الأوروبى، سواء شرقًا (وهناك الحدود مع روسيا) وجنوبًا (وهناك شرق وجنوب البحر الأبيض المتوسط).

أربعة : علاقة أوروبا بالجوار – سواء فى الشرق أو فى الجنوب – معقدة. ذلك لأن أمريكا دائمًا تقدم العوامل الإستراتيجية على غيرها. بينما طبيعة السياسة الأوروبية – خاصة فى دول غرب أوروبا شديدة الثراء والتى ابتعدت مجتمعاتها لدرجات كبيرة جدًّا عن الحروب والمواجهات – تقدم العوامل الاقتصادية على غيرها. لذلك فبينما أمريكا تتحدث عن التواجد العسكرى الروسى فى الشرق، أوروبا معنية جدًّا بموجات الهجرة (و أغلبها عربية) القادمة للحدود البولندية والليتوانية – والتى تراها وسائل ضغط عليها من دول قريبة من روسيا.

خمسة : الحساب الروسى صعب التقدير، خاصة أن من يعرفون فى روسيا لا يتحدثون، وأغلب من يتحدثون عن روسيا فى الغرب – خاصة فى أوروبا – لا يعرفون. لكن من المؤكد أن روسيا تنظر للذهاب الأمريكى إلى آسيا – والى شرق آسيا خاصة – بارتياح. لكن السؤال : هل ترى روسيا فى ذلك الذهاب فرصة لتوسيع منطقة نفوذها وتحريك حدودها مع أوروبا؟

ستة : ذلك المسرح بعيد عن الصين. لكن الصين – وهى المراقب بدقة للجغرافيا والدارس المتعمق للتاريخ – ناظرة، وفيما سيجرى على الحدود الأوكرانية (givens)، أو نقاط ستدخلها فى حساباتها وتقديراتها، للمواجهة الإستراتيجية الكبرى التى هى على أبوابها.

لذلك، فبالرغم من أن أوكرانيا بعيدة عنا، فإن تحركات اللاعبين الكبار على مسرح الأحداث هناك دالّ ومهم؛ لأنها داخلة فى ديناميكيات أهم الصراعات الإستراتيجية العالمية الآن.

* كاتب مصرى مقيم فى لندن