لا يعتبر مركز القاهرة المالى الدولى CIFC إكسير شباب الاقتصاد المصري! ولكنه إحدى أدوات دعمه وانطلاقه للعالمية، فحتى الإكسير يلزمه معادلة وتجهيزات وقلوب تؤمن بقدراته للشفاء، والأهم تأمين تفاعلات المعادلة فى معمل وبيئة آمنة، لتؤتى التجربة ثمارها.
يعصف بمعمل الاقتصاد المصرى حاليا حزمة من المتغيرات والضغوط حول؛ موقف الجنيه، ارتفاع الدين العام، غموض مساعدات الخليج، إدارة الدولة للاقتصاد وأثرها على حرية المنافسة وقرارات الاستثمار، انتظار القطاع الخاص الخروج التدريجى الآمن للدولة من المنظومة الاقتصادية لاستعادته حيوية دوره بنظم المنافسة المحلية والعالمية، التضخم الاقتصادى المتصاعد وصحن المواطن، ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، رفع الدعم شبه الكامل، الضغوط السياسية لاقتراب موعد انتخابات الرئاسة والأجندات الجانبية،واستراتيجيات عودة الحرس القديم! مما يجعله معملا يغلى على زمن وإجراءات.
ورغم كل ذلك فمن الموضوعية ألا ننكر طفرة البنية التحتية الرهيبة التى جعلت مصر بتقرير الأونكتاد “مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية”، من الدول المتأهبة بتطوراتها الحالية للانتقال لمرحلة التكنولوجيا الخضراء، استنادا لتصنيفات 166 دولة بمجالات البحث والتطوير، تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والمهارات والتمويل، Blockchain، إنترنت الأشياء، تقنية النانو، السيارات الكهربائية، الوقود الحيوي، طاقة الرياح، الهيدروجين الأخضر، الطاقة الشمسية المركزة والكهروضؤية، الروبوتات، الدرونز، تحرير الجينات، حيث سيمثل ما سبق عصب ومحاور واستثمارات الاقتصاد العالمى الجديد، وفرق كبير بين الدول الأقل تحضيرا لهذا الانتقال وبين تلك المتأهبة له بجدية ووعي، وبين الدول الأكثر استعدادا لتنفيذه.
من جهة أخرى، لا يسلم الموقف المصرى مما يحوطه إقليميا وعالميا ويؤثر حسما على فرصة نمو اقتصاده أو إضعافه! فهناك قضية سد النهضة والصراع بين الحلول الدبلوماسية والعسكرية واحتمالية وصف الأخيرة بالعدوان المسلح ضد إثيوبيا وإعلان الحرب وتهديد مشاريع التنمية! ولإعاقة حل القضية وأسباب أخرى، خُلقت أزمة السودان بتداعياتها لتهديدات البنية الأمنية والاجتماعية والاقتصادية المصرية!
بل إن حركة الأفروسنتريك (الزاعمة أن منطقة شمال أفريقيا محتلة، وسكانها الأصليين من العرق الأفريقى وابيدوا قديما، والحضارة الفرعونية تنسب للأفارقة الأوائل، والمصريين الجدد تعمدوا كسر أنوف التماثيل لإخفاء الأنف الأفريقي)، هذه الحركة تزحف نحو ليبيا وتونس والجزائر وتضيف أبعادا جديدة، لإفاقة الشكل المطور للربيع العربى رأسيا، بعدما فشل أُفقيا! وبطبيعة الحال فكل التدخلات والنزوح واجتياح الحدود، سيزيد من العناصر المؤثرة على زيادة حجم البطالة والاضطرابات والاحتقان بين الطرفين فى جنوب الوادى وحلايب وشلاتين، وخلق طبقة جديدة من المصالح، وجميعها تؤثر على الاقتصاد، والتنمية، وسمعة استقرار الدولة كجاذبة أم طاردة للاستثمارات!
ومع السودان والأفروسنتريك، هناك ضبابية الدعم السعودى والإماراتى مقابل بزوغ نيوم بقوة، وتغول وتوغل الاستثمارات بدبى وأبوظبى وإمارات جديدة بالطريق! على التوازى يلعب التقارب السعودى الإيرانى الصينى الإسرائيلي، إعادة تصميم وضعية المملكة على خريطة الاستثمارات العالمية، والتخارج التدريجى من العباءة النفطية والدينية للدخول لمنظومة العالم الجديد! كل ذلك بخلاف تأثيرات حرب روسيا وأوكرانيا وتداعياتها العالمية، التى امتدت لحلفاء مصر بالاتحاد الأوروبى وأمريكا (معمل عملاق يغلى حطبه تحت قارورة معادلة CIFC مصر).
كل ذلك يطرح زخم الأسئلة والترقب لآثار غليان المعمل على الإدارة المصرية، وقدراتها على مواجهة هذه التحديات، والمحاصرات، والمتغيرات، والضغوط، بخلاف الطابور الخامس الناحر والمُشكك بالموقف العام الحالي، المتراوح بين السواد كرأى البعض، والرمادى عند آخرين، والغموض التام للأغلبية، لتجاوز عنق الزجاجة والسماح بازدهار الاقتصاد!
من هنا تظهر خطورة مسؤولية اجتياز الإدارة المصرية لكل هذه التحديات والاستمرار، لجنى ثمار خطط استراتيجية مرهقة ومكلفة جدا ومثقلة، ولكنها بذات الوقت تحتاج حلولا متكاملة تعمل على محاور الوعى الجمعي، والإصلاح التشريعي، وتحرير الاقتصاد، واستحداث أدوات اقتصادية تؤمن بمصر الجديدة بحسابات مخاطر مدروسة، بما يستدعى تفهم الإدارة المصرية لمساعدتها ودعمها كحبال انقاذ. من هنا تأتى أهمية بروز مركز القاهرة المالى CIFC مصر، تدريجيا للواقع الاقتصادى والتنموى المصري، كآلية اقتصادية استثمارية دولية يعمل بها ويتكلم لغتها 21 مركزا على مستوى العالم، ساعدت بالفعل تغيير اقتصاديات الدول التى تتمركز بها.
تجذب مصر الأنظار والفعاليات العالمية (كفرصة عالمية لموقعها الجيوسياسى ومواردها وكثافتها السكانية) ورغم كل الضغوط السابقة، نجحت الإدارة الحالية وبحق بتغيير صورة مصر الذهنية عالميا وعند المستثمر الأجنبي، المنتظر لاستكمال تطوير البنية التحتية للاقتصاد ذاته، بالتوازى مع البنية التحتية المادية، بمعنى آخر؛ رقمنة الاقتصاد، والسيطرة على اقتصاد الظل، تطوير التشريعات الاقتصادية، نظم فض المنازعات، السماح بنظم خاصة آمنة لاستحداث آليات اقتصادية جديدة، مثل المراكز المالية الدولية وتطبيقها للقانون والقضاء الإنجليزى للتعامل بضوابط ومنهجيات ولغة المراكز المالية الدولية الأخرى، لتكون المحصلة فى النهاية جلبا آمنا للاستثمارات، وتطوير صناعة المال، فيتزامن الانتعاش المتصاعد للاقتصاد، بالعلاج التدريجى أيضا لمواطن الضعف بقيمة الجنيه وتحجيم التضخم، وتوفير طرق لسد القروض، والحد من البطالة، وأثر كل ذلك لرفع الناتج المحلي.
لاستيعاب ودعم وفهم قيمة CIFC مصر، حتما نستوعب معطيات وتحديات الواقع الحالى حتى الانتخابات الرئاسية، ومحاولة ضبط الثبات الانفعالى للوعى الجمعى والحكومي، واليقظة الواعية لحتمية التغيير بمفاهيم تعاطى التجارة الدولية وأدواتها ومنافستها، وتمتين التأهب التدريجى لانخراط مصر تشريعيا وفكريا وإداريا بمنظومة النظام العالمى الجديد، المتجاوز للحدود والعديد من الطوطمات الاقتصادية والسياسية والقانونية القديمة، للخروج بنماذج واقعية وحقيقية توائم بين الصورة الذهنية لمصر الجديدة وبين النظم الحديثة، وإلا كرسنا الكبارى والطرق الجديدة للكارو (الذى اختفى تقريبا)، بدلا من استحداث مفاهيم جديدة للسرعة والسيارة الكهربائية ومعايير الانضباط المرورى الخ.
إن تطبيق سياسة (الغُنم بالغُرم)، تلزمنا المواءمة والتعديل الشجاع لبيئات الأعمال والتشريعات وفض المنازعات، والتوظيف، وصناعة المال، وقبول الآخر إلخ. لا شك أن هذا التطور والتحديث والاستحداث سيكون تدريجيا وبقدر حتميته لإنقاذ الاقتصاد المصري، بقدر توقع مقاومته لألف سبب أخطرها عدم المعرفة والفهم لدور وقيمة CIFC، والخوف من التغيير، وعبادة الروتين، وتعارض وتقاطع المصالح، كهنة القوانين.
ومع ذلك فالقيمة الحقيقية لإطلاق CIFC هو دعم التكليف الرئاسى لدراساته ومنهجية تنفيذه وفقا للغطاء التشريعى الواجب الالتزام بتنفيذه تجاه مثل هذه المشروعات، كتعبير عن رؤية القيادة لمستقبل مصر الجديدة وبدء إفساحها الطريق للتغيير، ليكون القرار الرئاسى لهيكلة وتنظيم المجلس الأعلى للاستثمار، هو أول الغيث الذى ستتم دراسات CIFC وتنفيذه تحت غوث فهمه ودعمه! وهو موقع متميز يسمح لـ CIFC مصر بالنمو بوعى ونضج وأمان فى المستقبل المصرى.
* محامى وكاتب مصرى