دروس مستفادة
رغم أن اهتماماتى غير كروية، فقسم بمنهج تفكيرى كمصرى يدرس ويراقب الوعى الجمعى للمجتمع وأحداثه وتداعياته، من منظور تناول أكبر حزبين بمصر مطلقا «الأهلى والزمالك».
تُشكل قيم وتاريخ ورموز وبطولات ومواقف الناديين العريقين، جزءا كبيرا جدا من ثقافة وفهم وأداء الشخصية المصرية، بمجالات حياتها المختلفة. الأهلى والزمالك ليسا فقط أندية رياضية، ولكنهما ميراثا ضخما وتركيبة معقدة من فنون الحرب والقيادة وعلمى الإدارة والاجتماع، مع زخم من الصفات والمعانى والوظائف والمهارات والأزمات واعتزاز الإنجازات وإحباط الانتكاسات والصراعات والكفاح، التى انعكست جميعها على جماهيرهما، فصاغوا منها جميعا جزءا لا يتجزأ من ثقافة مصر وحياة المقيمين بها ككل، وهو ما كان يظهر بتوحد الجميع على قلب نادٍ واحد بمباراياته الدولية، فيكون اللاعب مصرا وليس الأهلى أو الزمالك، ثم تطور ليبقى غير ذلك فى العهود الأخيرة.
تعمُق أثر الناديين بحياة المصريين، جعلنى دوما قبل أى عمل أو مشروع أو صفقة، أحاول اكتشاف هوية الأهلى والزمالك بالأطراف المقابلة، لتحديد خطة اللعب/التعامل؟ فإن جاز النظر للواقع كلعبة كبيرة، فهوية الانتماء أو التعاطف مع أى منها، قد تشكل لحد كبير سلوك الأطراف، خطة وقرار اللعب ورصد توقعات نتائجه، بطريقة لا شعورية تماما.
كثيرا ما ساعدتنى هذه الطريقة بمحاولة فهم أدوار أو قرارات مصرية بمواقف محلية ودولية مختلفة! فتارة تكون مصر الأهلى وأخرى زمالك مصر! فتشبع المصريون بتقسيمات المبارايات وشخصيات اللاعبين وقيادات الناديين ومنهجياتهم بالتوسعات والتطوير والاستثمار إلخ، جعل جانبا باطنيا بالفكر المصرى وصناعة قراره، يتأثرا بآثار وجود القطبين.
التأثير الحقيقى للفكرة، زاوية استيعاب المصرى لمفهوم (الفريق) ليس فقط بالرياضة، ولكن بالعمل، الزواج، الشراكة، التطوير، إدارة المنازعات والاستثمار إلخ. حقيقة معنى الفريق لا تعبر عنها تحركات اللاعبين وإحراز أحدهم الهدف! فالمفترض أن الفريق ثمرة صناعة كاملة، منتجها النهائى هو (الهدف) بغض النظر عن النتيجة. هذه الصناعة لا تؤسس على اقتناص اللاعبين أو الموهبة الفردية أو المدرب العالمى أو الحوافز المالية أو الخطط المطورة أو تأديب دكة الاحتياطي!
فلصناعة فريق العمل أيا كان أسس علمية محسومة تشمل؛ توفير الإمكانيات، مهارات الإدارة، التخطيط، روح الفريق، صنع القرار، احتراف التوقيت، المنافسة الشريفة، وضوح الرؤية، التعاون، البيئة الملائمة، التدريب والاحتكاك الدولى المستمر، والأهم القيادة الواعية، المكافحة، المحفزة، الداعمة، مستوعبة النقد، المراقبة ومصححة، والمتحملة للمسؤولية. قمة نجاح القائد تحويل كل لاعب بفريقه، لفريق كامل تتوفر فيه هذه الأسس معا، فيصبح الجميع بقوة (واحد صحيح) لا يقهر.
نشّطت مبارة (أهلى مصر) وبايرن ميونيخ الفكرة بداخلى، واجتهدت لمعرفة نظرة (المصري) عموما وليس الأهلاوى فقط، لأداء (الفريق)! فاجتمعت الملاحظات على؛ وجود رهبة وتردد للمواجهة، زرعها الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعى، رغم الثبات وسرعة الأداء! تواضع سقف الطموحات الداخلية لمجرد الخسارة بشرف، نتيجة تشكيك الجمهور بالأهلى وتهويله لميونيخ! تفوق البنية الجسدية لميونيخ وغلبة روح الحرب على أدائهم، المترجم بالتزامهم التام بأسس فريق العمل السابقة، مقابل تواضع التزام أهلى مصر بهذه الأسس.
واقعيا، واجه (اهلى مصر) ثقافة الحياة الألمانية فى ملعب كرة! واجه أقصى التزام بمفهوم صناعة فريق العمل، وليس مجرد مباراة واقتناص ترتيب دولى. ورغم تميز الأهلى كنادى القرن، إلا أن ملاحظتى المحددة تعدت صناعة فريق عمل الكرة بالمباراة، لاستظهار حرج هذه الصناعة بكل مواجهات فرق عمل (مصر الأهلي) ضد أزمات كورونا مثلا، أو التعليم أو انتقاص المساحات الخضراء على حساب التوسع العمرانى، أو علاقة المالك والمستأجر أو رقمنة الثقافة كقوة مصر الناعمة إلخ.
فإذا كان كل ما سبق مباريات حاسمة يقف فيها وعى المصريين كجمهور، يشاهد وينتقد ويندد بفرق عمل (مصر)! فلا غرابة أن تكون النتائج مماثلة لـ بايرن ميونيخ!
تتجلى أسس ومنهجية صناعة فريق العمل بكل صور الحياة، فأى نشاط لطرفين فأزيد يخضع للقاعدة بمستويات مختلفة، وبغير ذلك يطفو على النشاط غياب الرؤية، السيطرة، الأنانية، صراع المصالح، شيوع المسؤولية والتهرب منها، كبش الفداء، غياب الالتزام والمشاركة وتفتيت التعاون، لتكون النتيجة هزيمة الفريق من الداخل قبل الخارج.
المؤمنون (بأهلى مصر) يثقون بنهضة قريبة بصناعة فريق العمل به، ليس فقط للمحافظة على إرثه ومستقبل نتائجه، ولكن لنقل روح فريقه المطورة لوعى جمهوره، فيتخطون بحياتهم حاجز إدارتها بالمجهود إلى الإدارة بالإنجاز. هذا التوجه يحتاج لتشخيص وعلاج جاد لصناعة فرق عمل (مصر الأهلي) بمختلف قطاعات الدولة، لإنقاذ الوعى الجمعى المصرى والانتقال من ثقافة (واأنا مالي؟ أنا أدرى بالأصلح! مات الملك عاش الملك! ليس فى الإمكان أبدع مما كان! الورق ورقنا والدفاتر دفاترنا!)، لنتحول للإدارة بالصالح والنتائج.
رمزية منظومة الأهلى والزمالك دروس مستفادة، تذخر برؤى وتحديات للتطوير، وجديرة بتصحيحهما لصناعة فريق العمل بهما. فملعب 2021 مازال ببدايته والأشواط ستكون ساخنة جدا، والعديد من مبارايات (مصر الأهلي/ الزمالك) القادمة، فاصلة! ولا مجال لسياسة (التقسيمات وحيل الدكة) ولكن لصناعة فرق عمل حقيقية داخل الدولة وتصدرها لكيانات المجتمع حتى الأسرة.
وليس أجدر من الأهلى والزمالك أن يكونا قدوة لتمرير نجاحهم بهذه الصناعة، ليلتقطها تدريجيا الوعى الجمعى المصرى، فيحترفها بمباراته مع المستقبل، للبقاء بشرف!
* محامى وكاتب مصرى