أغرب ما يلفت النظر، في برامج أغلب المرشحين الخمسة الرئيسيين على منصب نقيب الصحفيين، الذي تجرى الانتخابات عليه اليوم الأحد، هو إجماع هذه البرامج، على المطالبة بتملك الصحفيين، لأسهم المؤسسات الصحفية القومية «الحكومية»، التي يعملون بها، سواء كان هذا التملك بنسبة ،%100 كما طالب البعض، أو بنسبة ما غير محددة، كما ألمح البعض الآخر.
وجه الغرابة لا يعود بطبيعة الحال، لجوهر الاقتراح في حد ذاته، فهو يعبر عن فكرة وجيهة، يمكن مناقشتها وإثراؤها، بالمزيد من الحوار والجدل حولها، وما يمكن أن يترتب على تطبيقها من تبعات.
ولكنه يرجع إلى قيام جميع المرشحين، بما يشبه وضع العربة أمام الحصان، من خلال تجاهلهم لطرح مطلب آخر، كان ينبغي أن ينادوا به على التوازي، يتمثل في تعديل قانون النقابة ذاته، الذي لا يسمح لأعضائها من الصحفيين، بتملك أسهم في مؤسسات صحفية من الأساس!.
والطريف أن هذا الحظر «التاريخي»، الذي استهدف به واضعو القانون، الحفاظ على هوية ووحدة مصالح أعضاء النقابة، ككيان يدافع عن مصالح المحررين الأجراء في مواجهة أرباب العمل، لم يفلح طوال السنوات الأخيرة، في تحقيق هذا الهدف النبيل المرجو منه.
وليس أدل على ذلك، من سيطرة رؤساء مجالس إدارات الصحف الحكومية على منصب النقيب، فيما عدا العامين الماضيين، إذ نجح في اقتناصه من قبضتهم- أو بصورة أدق في غيبة مرشح منهم-، أحد الصحفيين الأجراء الأستاذ جلال عارف.
ولا يخفى على أحد من الزملاء الصحفيين، أن هذه السيطرة، قد حولت النقابة، من كيان يدافع عن مصالحهم، إلى جسد هش لا «يهش» ولا «ينش»، إلا بقدر ما يسمح به نفوذ النقيب ورغبة الحكومة، وبمقدار ما يعبر عن مصالحهما معا، الحكومة ونقيبها الحكومي.
فالبدل النقدي تحدده الحكومة، كرشة جريئة لمرشحها على مقعد النقيب، والامتيازات هبة منها أيضاً لمرشحها الحبيب، حتى أعضاء النقابة أنفسهم، تختار الحكومة «المالك» الغالبية العظمى منهم، من خلال إصرار مجالس النقابة المتعاقبة على شرط، لا سند قانوني له لصحة العضوية، يتمثل في توقيع رئيس مجلس الإدارة الحكومي لإثبات التعيين.
ونجم عن الشرط السابق، اكتظاظ النقابة بالمئات من السكرتارية والموظفين ومندوبي الإعلانات، من حرس الجنرالات الحكوميين، الذين لا علاقة لهم بهموم الصحافة وقضاياها، في حين يحتشد خارجها، المئات من الصحفيين، الممارسين فعلاً للمهنة، الغارقين حتى النخاع فى مشاكلها، أزعم أن ضمهم، كان كفيلاً بالدفع، تجاه حل الكثير منها.
كما ترتب على ذلك، وضع أزعم أن الصحافة المصرية، تنفرد به دوناً عن باقي الصناعات والقطاعات والخدمات في العالم كله، وليس في داخل الوطن فحسب، وهي أنها المهنة الوحيدة، التى يحظر على أبنائها، عندما تتراكم لديهم الخبرات، أن يحلموا- ناهيك عن أن يقدموا على تنفيذ هذا الحلم في أرض الواقع-، بأن يتملكوا أو يساهموا في مؤسسة أو شركة، يعبرون بها عن قمة نضوجهم وطموحهم المهني.
إذ إن هذا يعني من الناحية القانونية، فصلهم من النقابة، بل ويجعل منهم، وفقاً لمصطلحات الصحافة الحكومية البليدة، منتحلين لصفة صحفي، وبالتالى ممنوعين من إدارة تحرير، مشروعهم الصحفي الخاص!، وذلك مثلاً بعكس الطبيب أو المهندس أو المحامي أو الميكانيكي، الذين يحق لهم، إنشاء عياداتهم أو مكاتبهم أو ورشهم الخاصة، دون أن يترتب على ذلك، فقدانهم لصفاتهم المهنية، التي يقوم عليها لب المشروع.
ومن البديهي، أن يترتب على مثل هذه المفارقة الكوميدية، أوضاع تصل إلى حد الاستهبال المتبادل، ما بين هؤلاء الصحفيين من أصحاب الطموحات المهنية المشروعة- ولكنها غير قانونية! إزاي معرفش-، الذين سمحت لهم الظروف، بتأسيس مؤسساتهم الصحفية، وما بين أعضاء مجلس النقابة، الذين يرون أنفسهم حائرين بين نصاً بالياً، وواقع لا يمكن إدانته، إن لم ينبغ تشجيعه، حتى لا تقتصر ملكية الصحف وإداراتها على غير المختصين، أو بعض المغامرين وأصحاب المصالح السياسية الفجة، مع ضرورة الاعتراف والإقرار، بأن من حق أي مستثمر أو مواطن، أن يسعى لإصدار مطبوعته الخاصة.
وأذكر أن عضواً في مجلس النقابة الحالي، قد روى لي، أن عدداً من الصحفيين، قد طالبوا بفصل أحد الزملاء المشهورين، لأنه قام بامتلاك صحيفة خاصة، يقوم بإدارتها ورئاسة تحريرها، فما كان من عضو المجلس، في محاولة منه لسد الخانة وإرضاء الزملاء، إلا أن اتصل بالصحفي مالك الصحيفة، ودار بينهما حوار حاول الطرفان هباء أن يبدو جدياً:
عضو المجلس: أستاذ فلان سمعنا أنك تملك الجريدة الفلانية هل هذا صحيح؟
الصحفى المشهور: لا أنا لا أملكها
عضو المجلس: ومن إذن يملكها؟
الصحفى المشهور ضاحكاً: أمي!
عضو المجلس «وهو يقاوم الإفراط في الضحك»: شكراً كنا نظنك أنك مالكها.
ويقينا كان عضو المجلس، يعلم أن الصحيفة ملك للصحفي المشهور، الذي كان يعلم بدوره، أن عضو المجلس يعرف، وأن كل المطلوب منه، أن ينفي أنه يملك، لكي يتيح لعضو المجلس، أن يتظاهر بأنه يصدقه، لينتهي الموضوع.
آن الأوان لوقف هذا العبث وتلك المسخرة، وأدعي أن الأجواء الساخنة، التي تظلل معركة انتخاب النقيب اليوم، تمثل فرصة سانحة للفائز، إما أن يدخل التاريخ عبر فتح جميع ملفات صناعة الصحافة، بكل العناصر والكيانات المشكلة لها، أو يخرج منه غير مأسوف عليه، لو استمر الخطاب النقابي فى التركيز على حل مشكلات محددة، دون أن يسعى إلى تهيئة الشروط الموضوعية لتحقيقها، من خلال تقديم رؤية متكاملة، ترتكز على عدد من المنطلقات البديهية.
أولها إطلاق حرية إصدار الصحف للجميع، وثانيها ضرورة فصل المصالح المتعارضة في كيانات منفصلة، نقابة للمحررين واتحاد للناشرين، وثالثها تحرير الصناعة من قيود الاحتكار الحكومي، للعديد من العناصر، التى تعوق المنافسة كالطباعة على سبيل المثال.
و رابعاً تشجيع الصناعة من خلال إلغاء ضريبة الدمغة النسبية على الإعلانات، مع استبدالها بنسبة محدودة، تصل إلى %2 على الأكثر، تخصص لدعم موارد النقابة، بدلاً من سد العجز المتزايد في خزانة وزارة المالية، التي أتحدى، أن تكون قد نجحت في تحصيل نسبة، تزيد على %1 من قيمة ضريبة الدمغة، المستحقة لها من كافة المؤسسات الصحفية.
وبهذا فقط تتهيأ الظروف، لتحسين أوضاع الصحفيين وشروط عملهم، ويتفرغ الجميع، لأداء الأدوار الطبيعية المنوطة بهم، دون لبس أو خلط للأوراق.
المؤسسات الصحفية تتنافس فيما بينها على تجويد المنتج الصحفي، واتحاد الناشرين يدافع عن مصالح الصناعة من وجهة نظر مالكي الصحف، والنقابة تناضل من أجل مصالح أعضائها المحررين.
وبغير ذلك، سنظل ندور في نفس الدائرة، نردد نفس المطالب، ونطرح ذات «أم» الأسئلة: أيهما تفضل نقيباً حكومياً أو معارضاً؟ نقيباً خدماتياً؟ أم سياسياً؟ هل نخصص الصحف أم نملكها للعاملين؟ وإذا ملكناها للعاملين، نملكها كلها أم حتة منها؟ حتة منها ولا كلها؟ كلها ولا حتة منها؟!.
وبينما نعيد ونزيد، قد تفاجئ الحكومة، الإخوة أعضاء مجلس النقابة، بمستثمر غامض، تبيع له سراً إحدى المؤسسات الصحفية أو بعضها أو كلها، دون أن يخبرنا أحد كيف، ولماذا؟!، كما فعلت من قبل فى واقعة محطة ال إف إم الشهيرة.
وأخيراً وحتى لا يتهمني أحد، بأي نوع من أنواع الاتهامات، ويسعى لفصلي من عضوية النقابة، فإنني أؤكد، أنني لا أمتلك أي أسهم في هذه الجريدة، التى أكتب إليكم من خلالها، بل وعلى أتم استعداد، أن أقسم أن من يمتلكها بالفعل، هو «جوز خالتي»!.
أقرا أيضا: و