أشباح‭ ‬الماضي‭!‬

أشباح‭ ‬الماضي‭!‬
حازم شريف

حازم شريف

11:23 ص, الأحد, 18 سبتمبر 05

في‭ ‬اللقاء‭ ‬الذي‭ ‬نظمه‭ ‬مجلس‭ ‬الأعمال‭ ‬المصرى‭ ‬الكندي‭ ‬مع‭ ‬وزير‭ ‬الإعلام‭ ‬أنس‭ ‬الفقي‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضى،‭ ‬سئل‭ ‬الوزير‭ ‬عما‭ ‬يتردد‭ ‬من‭ ‬شائعات‭ ‬عن‭ ‬خصخصة‭ ‬بعض‭ ‬القنوات‭ ‬التليفزيونية‭ ‬سراً‭ ‬لأحد‭ ‬المستثمرين؟،‭ ‬فنفى‭ ‬وأكد‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬هناك‭ ‬قنوات‭ ‬للبيع،‭ ‬وأنه‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬بيع‭ ‬أى‭ ‬قناة‭ ‬حتى‭ ‬الآن.

‬ طرح‭ ‬على‭ ‬الوزير‭ ‬سؤال‭ ‬آخر‭ ‬مفاده،‭ ‬أن‭ ‬الشائعات‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬مبررة،‭ ‬قياساً‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬منذ‭ ‬عدة‭ ‬سنوات،‭ ‬عندما‭ ‬تم‭ ‬فجأة،‭ ‬منح‭ ‬مستثمر‭ ‬بعينه،‭ ‬ترخيصاً‭ ‬لقناة‭ ‬إذاعية‭ ‬إف‭ ‬إم،‭ ‬وذلك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يعلم‭ ‬أحد،‭ ‬كيف،‭ ‬ولماذا،‭ ‬ومتى،‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬المعايير،‭ ‬التي‭ ‬جرى‭ ‬على‭ ‬أساسها،‭ ‬منح‭ ‬هذا‭ ‬الترخيص،‭ ‬لشخص‭ ‬دون‭ ‬غيره‭ ‬من‭ ‬عباد‭ ‬الله؟!.

‬ أجاب‭ ‬الوزير‭ ‬قائلاً: ‬إنه‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالماضي،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬مرآة‭ ‬‮«‬مرايا‮»‬،‭ ‬يستطيع‭ ‬التحدث‭ ‬عنه‭ ‬من‭ ‬خلالها،‭ ‬أما‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالحاضر،‭ ‬فإنه‭ ‬يمكنه‭ ‬أن‭ ‬يؤكد،‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬قنوات‭ ‬للبيع،‭ ‬وأنه‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تقرر‭ ‬أي‭ ‬تعديل‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬الملكية،‭ ‬للقنوات‭ ‬التليفزيونية‭ ‬التابعة‭ ‬للدولة،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يتم‭ ‬سوى‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬تنظيمي‭ ‬واضح،‭ ‬وبشفافية‭ ‬كاملة‭ ‬وعبر‭ ‬مناقصات‭ ‬معلنة.

‬ والحقيقة‭ ‬أن ‬رد‭ ‬الوزير،‭ ‬فاق‭ ‬في‭ ‬حسمه،‭ ‬أكثر‭ ‬توقعاتي‭ ‬تفاؤلاً،‭ ‬خاصة‭ ‬أنني‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬أولئك‭ ‬البشر،‭ ‬الذين‭ ‬يولون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬اهتمامهم‭ ‬لخبرات‭ ‬الماضي،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يصح‭ ‬أحياناً‭ ‬القياس‭ ‬عليها،‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬تحمله‭ ‬سيناريوهات‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل،‭ ‬فما‭ ‬بالك‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬القريب؟!.

‬ على‭ ‬كل‭ ‬حال،‭ ‬أنا‭ ‬أصدق‭ ‬الوزير،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬لملامح‭ ‬الصدق‭ ‬والجدية،‭ ‬التي‭ ‬ارتسمت‭ ‬على‭ ‬وجهه،‭ ‬أثناء‭ ‬إجابته‭ ‬عن‭ ‬السؤالين‭ ‬السابقين،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضاً‭ ‬لأن‭ ‬الأمر‭ ‬كله،‭ ‬سيكون‭ ‬أشبه‭ ‬بعملية‭ ‬انتحار‭ ‬سياسي‭ ‬جماعي،‭ ‬للوزير‭ ‬والحكومة‭ ‬والحزب‭ ‬والفكر‭ ‬الجديد،‭ ‬لو‭ ‬استيقظنا‭ ‬ذات‭ ‬صباح،‭ ‬لنجد‭ ‬قناة‭ ‬أو‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬القنوات،‭ ‬قد‭ ‬تم‭ ‬بيعها‭ ‬لنفس‭ ‬المستثمر‭ ‬أو‭ ‬غيره،‭ ‬دون‭ ‬سابق‭ ‬إنذار،‭ ‬يسمح‭ ‬بفرص‭ ‬متساوية،‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يرغب‭ ‬للتقدم،‭ ‬وفقاً‭ ‬لشروط‭ ‬محددة‭ ‬تضعها‭ ‬الدولة.

‬ وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الحكومة،‭ ‬قد‭ ‬حرصت‭ ‬خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬السابقة،‭ ‬على‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬مراعاتها،‭ ‬لمبادئ‭ ‬النزاهة‭ ‬والشفافية،‭ ‬وطهارة‭ ‬اليد،‭ ‬وتجنب‭ ‬الفساد‭ ‬والمحسوبية،‭ ‬ومراعاة‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة،‭ ‬وتبنيها‭ ‬للتحول‭ ‬إلى‭ ‬مراقب‭ ‬ومنظم‭ ‬للسوق‭ ‬بقطاعاته‭ ‬المختلفة،‭ ‬فإنه‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬محموداً‭ ‬بأي‭ ‬حال‭ ‬من‭ ‬الأحوال،‭ ‬أن‭ ‬تقدم‭ ‬على‭ ‬مناقضة‭ ‬ما‭ ‬تعلن‭ ‬عنه‭ ‬ليل‭ ‬نهار،‭ ‬عبر‭ ‬الاخلال‭ ‬بكل‭ ‬ذلك،‭ ‬عند‭ ‬خصخصتها‭ ‬لذلك‭ ‬القطاع‭ ‬الحيوي‭ ‬البالغ‭ ‬التأثير.

‬ وتكتسب‭ ‬عملية‭ ‬اتساق‭ ‬أفعال‭ ‬الحكومة،‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬تعلنه‭ ‬من‭ ‬أقوال،‭ ‬أهمية‭ ‬بالغة،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حقيقة‭ ‬أنني‭ ‬لست‭ ‬الوحيد،‭ ‬الذي‭ ‬يقيم‭ ‬وزناً،‭ ‬لتجارب‭ ‬وخبرات‭ ‬الماضي.

‬ومن‭ ‬لا‭ ‬يصدقني،‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يفسر‭ ‬لي‭ ‬الدوافع‭ ‬والرغبات‭ ‬الكامنة،‭ ‬وراء‭ ‬ما‭ ‬يكتبه‭ ‬ويقوله‭ ‬الكثيرون‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬المختلفة.

‬فهذا‭ ‬كاتب‭ ‬يداهن‭ ‬المسئولين،‭ ‬حتى‭ ‬يكاد‭ ‬تصعب‭ ‬أحواله،‭ ‬على‭ ‬أعتى‭ ‬رموز‭ ‬النفاق‭ ‬في‭ ‬الماضى،‭ ‬وثان‭ ‬يتبرع‭ ‬لمهاجمة،‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬تسول‭ ‬له‭ ‬نفسه،‭ ‬مهاجمة‭ ‬سياسات‭ ‬الحزب‭ ‬أو‭ ‬أداءه‭ ‬أو‭ ‬حملته‭ ‬الانتخابية،‭ ‬فيصفون‭ ‬صحف‭ ‬المعارضة‭ ‬بالصفراء،‭ ‬ويتهمون‭ ‬أقلامها‭ ‬بالنباح،‭ ‬ولا‭ ‬يتورعون‭ ‬عن‭ ‬سب‭ ‬هذا‭ ‬المرشح‭ ‬الرئاسي‭ ‬أو‭ ‬ذاك،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬اشتموا‭ ‬منه‭ ‬تأثيراً،‭ ‬يقوف‭ ‬ما‭ ‬قدروه‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬حصة‭ ‬تصويتية.

‭ ‬بل‭ ‬وخرج‭ ‬البعض‭ ‬متطوعاً،‭ ‬يهاجم‭ ‬الأستاذ‭ ‬محمد‭ ‬حسنين‭ ‬هيكل،‭ ‬ويهدده‭ ‬بكشفه‭ ‬وفضح‭ ‬ملفاته،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتدارك‭ ‬الأمر‭ ‬الدكتور‭ ‬محمد‭ ‬كمال،‭ ‬أحد‭ ‬المشرفين‭ ‬على‭ ‬حملة‭ ‬مرشح‭ ‬الحزب‭ ‬الوطني‭ ‬للانتخابات‭ ‬الرئاسية،‭ ‬فيرد‭ ‬رداً‭ ‬باهتاً‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬أبداه‭ ‬هيكل‭ ‬من‭ ‬آراء‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬الجزيرة،‭ ‬عقب‭ ‬انتهاء‭ ‬الانتخابات.

‬ وهو‭ ‬ما‭ ‬دفع‭ ‬للاعتقاد،‭ ‬بأن‭ ‬كمال‭ ‬لم‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك،‭ ‬سوى‭ ‬لرفع‭ ‬الحرج،‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬زايدوا‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬الحزب.

‬ الخلاصة‭ ‬أن‭ ‬هؤلاء‭ ‬جميعاً،‭ ‬لا‭ ‬يزالون‭ ‬مستغرقين‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬وعلى‭ ‬قناعة‭ ‬أن‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة،‭ ‬لم‭ ‬تتغير‭ ‬بعد،‭ ‬وأن‭ ‬لها‭ ‬تجلياتها‭ ‬في‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل‭.. ‬نافق‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬منصب‭ ‬صحفى،‭ ‬زايد‭ ‬تنل‭ ‬بركات‭ ‬البابا،‭ ‬أضرب‭ ‬المعارضين‭ ‬أفضحهم‭ ‬تتبوء‭ ‬أعلى‭ ‬المراتب،‭ ‬هاجم‭ ‬‮«‬هيكل‮»‬‭ ‬تحصل‭ ‬على‭ ‬قناة‭ ‬أرضية‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬قنوات.

‬ ولسنا‭ ‬مع‭ ‬تقديس‭ ‬الأشخاص،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬من‭ ‬ينتقدون‭ ‬الرموز،‭ ‬إلا‭ ‬رموزاً‭ ‬بعينها،‭ ‬تقف‭ ‬عند‭ ‬أعتابها‭ ‬أقلامهم‭ ‬وألسنتهم،‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬ننتقدهم،‭ ‬ليسوا‭ ‬باعتبارهم‭ ‬رموزاً‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬أنصاف‭ ‬رموز‭ ‬للحاضر‭ ‬والمستقبل،‭ ‬وإنما‭ ‬مجرد‭ ‬أضغاث‭ ‬أشباح‭ ‬من‭ ‬الماضي.‬

أقرأ أيضا: و