في اللقاء الذي نظمه مجلس الأعمال المصرى الكندي مع وزير الإعلام أنس الفقي الأسبوع الماضى، سئل الوزير عما يتردد من شائعات عن خصخصة بعض القنوات التليفزيونية سراً لأحد المستثمرين؟، فنفى وأكد أنه ليس هناك قنوات للبيع، وأنه لم يتم بيع أى قناة حتى الآن.
طرح على الوزير سؤال آخر مفاده، أن الشائعات حول هذا الموضوع مبررة، قياساً على ما حدث منذ عدة سنوات، عندما تم فجأة، منح مستثمر بعينه، ترخيصاً لقناة إذاعية إف إم، وذلك دون أن يعلم أحد، كيف، ولماذا، ومتى، وما هي المعايير، التي جرى على أساسها، منح هذا الترخيص، لشخص دون غيره من عباد الله؟!.
أجاب الوزير قائلاً: إنه فيما يتعلق بالماضي، فإنه لا يمتلك مرآة «مرايا»، يستطيع التحدث عنه من خلالها، أما فيما يتعلق بالحاضر، فإنه يمكنه أن يؤكد، أنه لا توجد قنوات للبيع، وأنه حتى لو تقرر أي تعديل في شكل الملكية، للقنوات التليفزيونية التابعة للدولة، فإن ذلك لن يتم سوى في إطار تنظيمي واضح، وبشفافية كاملة وعبر مناقصات معلنة.
والحقيقة أن رد الوزير، فاق في حسمه، أكثر توقعاتي تفاؤلاً، خاصة أنني من ضمن أولئك البشر، الذين يولون جزءًا من اهتمامهم لخبرات الماضي، تلك التي يصح أحياناً القياس عليها، في الحكم على ما قد تحمله سيناريوهات الحاضر والمستقبل، فما بالك لو كانت من الماضي القريب؟!.
على كل حال، أنا أصدق الوزير، ليس فقط لملامح الصدق والجدية، التي ارتسمت على وجهه، أثناء إجابته عن السؤالين السابقين، وإنما أيضاً لأن الأمر كله، سيكون أشبه بعملية انتحار سياسي جماعي، للوزير والحكومة والحزب والفكر الجديد، لو استيقظنا ذات صباح، لنجد قناة أو عدداً من القنوات، قد تم بيعها لنفس المستثمر أو غيره، دون سابق إنذار، يسمح بفرص متساوية، لكل من يرغب للتقدم، وفقاً لشروط محددة تضعها الدولة.
وإذا كانت الحكومة، قد حرصت خلال الأشهر السابقة، على التأكيد على مراعاتها، لمبادئ النزاهة والشفافية، وطهارة اليد، وتجنب الفساد والمحسوبية، ومراعاة المصلحة العامة، وتبنيها للتحول إلى مراقب ومنظم للسوق بقطاعاته المختلفة، فإنه لن يكون محموداً بأي حال من الأحوال، أن تقدم على مناقضة ما تعلن عنه ليل نهار، عبر الاخلال بكل ذلك، عند خصخصتها لذلك القطاع الحيوي البالغ التأثير.
وتكتسب عملية اتساق أفعال الحكومة، مع ما تعلنه من أقوال، أهمية بالغة، في ظل حقيقة أنني لست الوحيد، الذي يقيم وزناً، لتجارب وخبرات الماضي.
ومن لا يصدقني، عليه أن يفسر لي الدوافع والرغبات الكامنة، وراء ما يكتبه ويقوله الكثيرون عبر وسائل الإعلام المختلفة.
فهذا كاتب يداهن المسئولين، حتى يكاد تصعب أحواله، على أعتى رموز النفاق في الماضى، وثان يتبرع لمهاجمة، كل من تسول له نفسه، مهاجمة سياسات الحزب أو أداءه أو حملته الانتخابية، فيصفون صحف المعارضة بالصفراء، ويتهمون أقلامها بالنباح، ولا يتورعون عن سب هذا المرشح الرئاسي أو ذاك، إذا ما اشتموا منه تأثيراً، يقوف ما قدروه له من حصة تصويتية.
بل وخرج البعض متطوعاً، يهاجم الأستاذ محمد حسنين هيكل، ويهدده بكشفه وفضح ملفاته، قبل أن يتدارك الأمر الدكتور محمد كمال، أحد المشرفين على حملة مرشح الحزب الوطني للانتخابات الرئاسية، فيرد رداً باهتاً على بعض ما أبداه هيكل من آراء على قناة الجزيرة، عقب انتهاء الانتخابات.
وهو ما دفع للاعتقاد، بأن كمال لم يفعل ذلك، سوى لرفع الحرج، عن بعض من زايدوا نيابة عن الحزب.
الخلاصة أن هؤلاء جميعاً، لا يزالون مستغرقين في الماضي، وعلى قناعة أن قواعد اللعبة، لم تتغير بعد، وأن لها تجلياتها في الحاضر والمستقبل.. نافق تحصل على منصب صحفى، زايد تنل بركات البابا، أضرب المعارضين أفضحهم تتبوء أعلى المراتب، هاجم «هيكل» تحصل على قناة أرضية أو مجموعة قنوات.
ولسنا مع تقديس الأشخاص، تماماً كما قال من ينتقدون الرموز، إلا رموزاً بعينها، تقف عند أعتابها أقلامهم وألسنتهم، ومن هذا المنطلق ننتقدهم، ليسوا باعتبارهم رموزاً أو حتى أنصاف رموز للحاضر والمستقبل، وإنما مجرد أضغاث أشباح من الماضي.
أقرأ أيضا: و