‮ !‬من وحي الحج

شارك الخبر مع أصدقائك

 
في صباح كل يوم منذ خرج الرسول عليه السلام وصاحبه من مكة، كان عامر بن فهيرة مولي أبي بكر، يقوم مع إشراقة شمس كل صباح، علي رعي غنمه في حضن جبل ثور والفضاء الذي حوله ليطمس آثار أقدام أسماء، ويضلل قريش عن مكان اختباء الصاحبين، حتي إذا ما جن الليل، أخذ هذا المولي الأمين بعض غنماته إلي الغار فيحلب للرسول صلي الله عليه وسلم وصاحبه ما يشاءان، ويكر عائدًا خادعاً قريشا بالأغنام التي يقودها أمامه ويرعاها عن الاهتداء إلي مكمن الصاحبين!.. مضت الأيام تباعا، والرسول عليه السلام وصاحبه بغار ثور، وقريش تزداد ثورةً وغيظًا وتتلمس محمدًا عليه السلام وصاحبه في كل منعطف يقود إلي يثرب، دون أن تعثر لهما علي أثر.. وبعد ثلاثة أيام بعد أن أعياها البحث في اتجاه يثرب، يممت طغمة من فرسانها جنوبا بحثا عنهما في غير الاتجاه إلي يثرب، لعلهما يختفيان في بعض الجبال المحيطة بمكة..واقتربت شرذمة منهم من غار ثور وبداخله الصاحبان.. فتناهت إلي سمعهما أصوات وقع حوافر الخيل علي باب الغار، وقد أوشكوا علي الدخول إليه، لولا أن صاح واحد منهم: »ألا ترون ما عليه من نسيج العنكبوت« ؟!.. وأضاف آخر: »يبدو الغار وكأنه مهجور لا يدخله ولا يخـرج منه أحد« ، فيقفي ثالث: »وهاتـان الحمامتـان الوحشيتـان«! فيقول الأول ضاحكـًا: »راقدتان بعشهما في فم الغار في سلام« ، فيعود الثاني ليقول لهم: »ألم أقل لكم إنه مهجور« ؟!..أما بداخل الغار، فإن القلق علي رسول الله كان قد بلغ بأبي بكر الصديق كل مبلغ، مخافة أن يبلغ طواغيت قريش من الرسول ما يريدون.. فتنثال عبراته رضي الله عنه، ولكن النبي ما إن يفرغ عليه السلام من صلاته، حتي يأخذ بيد أبي بكر حانيا مشجعا، فيهمس إليه أبو بكر: »يا رسول الله هؤلاء قومك يطلبونك!.. أما والله ما علي نفسي أبكي ولكن مخافة أن أري فيك ما أكره«!.. فيقول له النبي مواسيا مشجعًا: »لا تحزن إن الله معنا« .. فينظر أبو بكر إلي مدخل الغار ويقول للرسول هامسا: »لو أن أحدهم نظر إلي قدمه لأبصرنا تحت قدميه«! فيقول له النبي: »ماظنك باثنين الله ثالثهما!!.. فيشير أبو بكر إلي أحد القرشييـن قائـلا:« يا رسول الله إنه يرانا!.. ولكن النبي عليه السلام يطمئنه قائلا في ثقة: »كلا، إن الملائكة تستر عنّا بأجنحتها .. يـا أبا بكر لو كـان يراك ما فعل هذا!.. ما ظنك يـا أبا بكر باثنين الله ثالثهما« ؟!!
 
سرت السكينة وشعت نسماتها من النبي المصطفي إلي صاحبه أبي بكر.. بينما يأتي من الخارج صوت أمية بن خلف منادياً الفرسان من أسفل الجبل.. »ماأرَبكم في الغار« ؟! فيقول له أحدهم: »لعلهما يختبئان بداخله«! ولكن أمية يجيبه: »إن عليه لعنكبوتاً كان قبل ميلاد محمد«!. هنالك لوي طغمة الفرسان عنان خيولهم، وكرّوا عائدين ليلحقوا بقريش في بطن الوادي.. وليمضي الجميع هائمين هامين بحثاً عن طلبتهما في الشعاب والجبال والبيداء..
 
وبعد أن مضي الوقت وهدأت حركة قريش يأسا، واطمأن النبي عليـه السـلام وصاحبـه مما نقله إليهما عبد الله بن أبي بكر من قنوط قريـش وهدوء حركتهـا، استقبـلا تحـت جنح الليل الدليل عبد الله بن أُريقـط الذي أتاهمـا بالناقتين، ثم تهيأ النبي ـ عليه السلام ـ وصاحبه للرحيـل ومعهما عامر بن فهيرة مهاجرين إلي حيث شاء الله..ويقف النبي صلي الله عليه وسلم، فيتضرع داعيا إلي الله: »الحمد لله الذي خلقني ولم أكُ شيئاً، اللهم أعني علي هول الدنيا وبوائق الدهر ومصائب الليالي والأيام، اللهم اصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك لي فيما رزقتني، ولك فذللني ، وعلي صالح خلقي فقومني، وإلي ربي فحببني، وإلي الناس فلا تكلني، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السموات والأرض فكشفت به الظلمات وصلح عليه أمر الأولين والآخرين، أن يحل بي غضبك أو ينزل علي سخطك، أعوذ بك من زوال نعمتك وفجاءة نقمتك وتحول عاقبتك وجميع سخطك، لك العتبي خير ما استطعت، ولا حول ولا قوة إلاّ بك« .
 
انسلت الصاحبان تحت جنح الليل من الغار، ميممين شطر يثرب، ولكن النبي عليه السلام لا يستطيع أن يقاوم الالتفات خلفه إلي مكة، فيقف ناظرًا إليها متمليا وقد أخذه الشجن.. ليقول وعيناه تنظران إلي أبنية مكة التي أخذت تتضاءل أحجامها علي البعد.. »والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلي الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت«!!
 
في الصحراء القاحلة، بين هدوء الليل البهيم، ووهج الشمس الحارقة في النهار، مضت الرحلة المباركة التي فرضت تاريخًا جديداً وتقويما جديدًا للتاريخ.. النبي عليه السلام وبصحبته أبوبكر الصديق يغذان السير في طريقهما إلي يثرب.. تمر بالنبي أطياف ما ألمّ به وبالمسلمين في مكة.. كيف لهؤلاء الكفار الذين تحجرت قلوبهـم أن يصـدوا هذا الصد المفحش عـن سبيـل الله، وكيف يجرهم العناد والغباء إلي هذا المركب الصعب الذي ركبوه.. آذوا بني قومهم وآذوه ونكلوا بالمستضعفين، وأمعنوا في إيذائهم وتعذيبهم، وحاصروا المسلمين لمنعهم من عبادة الله، وضيقوا عليهم مكة بما رحبت، ولاحقوهم في كل ربع من ربوعها وزقاق من أزقتها.. وجعلوا يمارسون تعذيب المسلمين والتنكيل بهم والبغي عليهم حتي أخرجوهم من ديارهم وكلفوهم من أمرهم رهقا.. ما لهذا الصلف والجبروت ؟!!.. وإن النبي صلي الله عليه وسلم لفي أساه وخواطره، يتنزل عليه جبريل عليه السلام فيوحي إليه ويرطب قلبه من كلمات ربه.. »وَكَأَين مِّن قَرْيةٍ هِي أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ « (محمد 13).. ثم يرتفع الوحي، والنبي عليه السلام وصاحبه ماضيان في طريقهما إلي حيث دار الهجرة التي احتضنت المسلمين من هذا الطغيان الذي أخرجهم إخراجاً من مكة حيث بيت الله الحرام!
 

شارك الخبر مع أصدقائك