بورصة وشركات

‮»‬وول ستريت‮« ‬تعود لاستثماراتها الخطرة بتوريق تسويات التأمين علي الحياة

صورة - ارشيفية دعاء شاهين: يبدو أن الأزمة المالية الحالية لم تعط الدرس الكافي لـ»وول ستريت« كي تكف عن استثماراتها عالية المخاطر، التي أودت بالعالم كله إلي هاوية الركود. حيث تبحث البنوك الاستثمارية عن وسائل مبتكرة جديدة لتحقيق أرباح خيالية…

شارك الخبر مع أصدقائك


صورة – ارشيفية

دعاء شاهين:

يبدو أن الأزمة المالية الحالية لم تعط الدرس الكافي لـ»وول ستريت« كي تكف عن استثماراتها عالية المخاطر، التي أودت بالعالم كله إلي هاوية الركود.

حيث تبحث البنوك الاستثمارية عن وسائل مبتكرة جديدة لتحقيق أرباح خيالية بدلاً من منتجات الرهن العقاري عالية المخاطر، والتي تسببت في إفلاس وتعثر المستثمرين الأفراد والمؤسسات وكان لها بالغ الأثر علي مختلف حلقات الاقتصاد الأمريكي والعالمي.

وتقول صحيفة »نيويورك تايمز«، إن البنوك تخطط لشراء تسويات التأمين علي الحياة- وهي عبارة عن بوليصة التأمين التي يبيعها العجائز والمرضي للحصول علي المال- ويمكن أن تكون هذه التسوية مثلا بأن يدفع المشتري 400 ألف دولار مقابل بوليصة ثمنها مليون دولار، اعتماداً علي العمر الافتراضي للشخص المؤمن عليه.

وستقوم البنوك بعد شراء هذه التسويات بتوريقها عن طريق تجميع العشرات بل الآلاف منها وتحويلهما إلي سندات، ثم تعيد بيعها مرة أخري إلي المستثمرين -مثل صندوق معاشات كبير- الذين سيتسلمون أموال البوليصة عندما يموت الأشخاص المؤمن عليهم.

وكلما مات المؤمن عليه في وقت مبكر ازداد العائد الذي سيحصل عليه المستثمرون حاملو المستندات، وفي المقابل كلما عاش الأفراد لفترات أطول مما يتوقع، تأتي مكاسب المستثمرين هزيلة وربما تتحول إلي خسائر.

وستنتفع »وول ستريت« من جراء هذه العملية بنصيب كبير من الأرباح يتمثل في أتعاب ابتكار هذه السندات وبيعها والإشراف علي تجارتها، إلا أن بعض الدارسين لتسويات التأمين علي الحياة يحذرون من أن يدفع هذا شركات التأمين لرفع أقساط التأمين علي الحياة علي المدي القصير إذا انتهي بهم الحال ليجدوا أنفسهم يدفعون أموالاً علي وثائق التأمين، التي يموت أصحابها بنحو أكثر مما كان يتوقع.

تقول كاثلين تيلويتز، نائب رئيس شركة DBRS ، التي تعطي تقييماً للمخاطرة في الاستثمارات، إنه رغم أن الفكرة مازالت في طور التخطيط، فإن طلبات تقييم تسويات التأمين علي الحياة بدأت تتدفق نحو الشركة، التي تراجع وتقيم حالياً طلبات لتوريق تسويات التأمين علي الحياة من مستثمرين في القطاع الخاص وشركات مالية، منها بنك كريديت سويس  ألقي اللوم علي منتجات الاستثمار غير التقليدية عالية المخاطر في انهيار وول ستريت أثناء الأزمة المالية التي حدثت، فلم تكن هذه المنتجات مقصورة علي سندات الرهن العقاري عالية المخاطر بل كانت هناك مجموعة أخري من المنتجات الاستثمارية منها عقود مقايضات الائتمان المتعثر، أدوات الاستثمار المهيكلة، والتزامات الديون أو القروض الرهنية، التي ثبت أنها أكثر مخاطرة مما كان يتوقع.

بالإضافة إلي عمليات توريق تسويات التأمين علي الحياة، تقوم بعض البنوك بإعادة توريق سنداتهما الخاسرة وتحويلها إلي أخري عالية التقييم، ووفقاً لمورجان ستانلي فقد تمت إعادة توريق نحو 30 مليار دولار من السندات العقارية أو السكنية هذا العام.

ويمكن أن تكون المنتجات المالية المبتكرة مفيدة بالطبع إلي بعض الفئات من خلال تقليص تكلفة الاقتراض لجميع الأفراد وإعطاء المستهلكين خبرات استثمارية متنوعة وواسعة ومساعدة الاقتصاد الكلي علي النمو بشكل أسرع، كما ستساعد الأفراد أصحاب وثائق التأمين علي الحصول علي الأموال التي يحتاجونها ليستفيدوا منها وهم مازالوا علي قيد الحياة إلا أن البعض يحذر من خطورة الركض وراء الربح السريع متناسين خطورة هذه المنتجات المالية المعقدة.

يقول جيمس دي كوكس، الأستاذ في قانون الشركات والتوريق بجامعة دوك، إن عملية توريق تسويات التأمين علي الحياة بمثابة الحلو المر في نفس الوقت، فهي تمكن مصدري ومنتجي هذه المنتجات غير التقليدية من حصد أتعاب توريقها وبيعها، كما تجني شركات التقييم مكاسب من تقديمها تقييماً للسندات، أما الجزء المر في الموضوع فهو العودة مرة أخري إلي مخاطر الأيام السابقة للأزمة.

ويمكن بالطبع أن يكون ما هو مفيد لـ»وول ستريت« مضا في نفس الوقت لشركات التأمين وربما المستهلكين أيضاً، والسبب في ذلك يرجع إلي أن حاملي وثائق التأمين كثيراً ما يتركون الوثيقة أو يوقفونها قبل أن يموتوا لأسباب متعددة، التي قد تكون كبر أبنائهم مما لا يستدعي الحاجة لحماية مالية، أو لأن أقساط التأمين أصبحت باهظة وفوق طاقتهم، وعندما يحدث ذلك ويبطل المؤمن عليه مفعول الوثيقة تصبح شركة التأمين غير مجبرة علي دفع تعويض الوثيقة المتفق عليه.

لكن في حال شراء هذه الوثيقة وحزمها علي وثائق أخري في صورة سندات تباع للمستثمرين، فإن أقساط التأمين ستستمر وهو ما سينتج عنه عدم إبطال مفعول العديد من وثائق التأمين التي كانت ستنتهي بمجرد أن يتوقف المؤمن عليه عن الدفع وهو ما سيجبر شركات التأمين علي دفع تعويضات أكثر لتقلص أرباحها نتيجة لذلك.

ويحاجي المنتقدون لتسويات التأمين علي الحياة بأنها تهدم الفكرة المبني عليها التأمين عaلي الحياة.

وتسارع »وول ستريت« الخطي نحو المنتج الجديد غير عابئة بأي انتقادات والسبب في ذلك بسيط، وهو أن قيمة وثائق التأمين الفعالة في الولايات المتحدة تبلغ نحو 26 تريليون دولار، وهو ما قد يمثل سوقاً ضخمة للمقامرة والمراهنة علي حياة الأفراد.

ولن تكون جميع وثائق التأمين بالطبع جاذبة للمستثمرين، فهم غير مهتمين بوثائق التأمين علي الأفراد الذين يتمتعون بصحة جيدة، ذلك لأنهم سيضطرون إلي دفع أقساط وثيقة التأمين لفترة أطول وهو ما سيقلل من أرباحهم، ولكن حتي لو بيع جزء صغير من وثائق التأمين علي الحياة ستبقي سوق سندات تسويات التأمين علي الحياة كبيرة ويذهب البعض في وتصل إلي إلي 500 مليار دولار.

قد يعوض هذا »وول ستريت« عن الخسائر الفادحة التي تكبدتها بعد انهيار سوق سندات الرهن العقاري من ذروتها 941 مليار دولار في 2005 إلي 169 مليار دولار هذا العام وحتي الآن.

وتسارع بعض المؤسسات المالية للدخول في هذه السوق الجديد لمسابقة منافسيها، فقد بدأ بنك »كريديت سويس« مثلاً ببناء نظام تجميع مالي لشراء عدد ضخم من وثائق التأمين علي الحياة وحزمها معا لإعادة بيعها تماماً مثلما فعلوا سابقاً مع سندات الرهن عالية المخاطر.

طور »جولدمان ساكس« مؤشراً قابلاً للتداول يتتبع أداء تسويات التأمين علي الحياة ويمكن المستثمرين من المراهنة علي حياة الناس، وإذا ما كانوا سيعيشون أكثر مما هو متوقع أم لا، ويشبه هذا المؤشر غيره من مؤشرات أسواق الأسهم، حيث يسمح للمستثمرين بالمراهنة علي الأداء العام والاتجاه العام للسوق دون شراء أسهم معينة.

ويقول المدافعون عن تسويات التأمين علي الحياة إنها تسمح للعجائز والمرضي ببيع وثائقهم مقابل المال بدلاً من أن يتعاملوا مباشرة مع شركة التأمين ليبطلوا مفعولها، وهو ما سيترك لهم جزءاً صغيراً من التعويض بعد تكبدهم دفع أقساط باهظة لسنوات عدة.

وفي داخل شركات تسويات التأمين، تدفع الشركة لصاحب الوثيقة اعتماداً علي عوامل متنوعة من 20 إلي %200 أكثر من القيمة التي تدفعها شركة التأمين.

ويشدد المعارضون للفكرة علي مخاطرها ضاربين مثلاً بما حدث في ثمانينيات القرن الماضي عندما اكتشف علاج مرض الإيدز اطال عمر المرضي، وهو ما تسبب في خسائر للمستثمرين، الذين اشتروا وثائق التأمين علي حياة هؤلاء المرضي مراهنين علي موت معظمهم ضحايا المرض في غضون عامين.

يكمن التحدي أمام »وول ستريت« في إيجاد طريقة تجعل سندات التأمين علي الحياة أكثر توقعاً وأماناً، والحصول علي موافقة من وكالات التقييم الائتماني، التي تقيس درجة مخاطرة الوثائق.

وتحاول شركات التسويات علي الحياة البحث عن سبل لتأمين بيع الوثائق بشكل آمن وتقليل مخاطرها طارحة حلاً يتمثل في جعل كل سند يضم عدداً متنوعاً من وثائق وتسويات التأمين علي الحياة لأمراض مختلفة مثل ألزهايمر، السرطان، أمراض القلب وغيرها وذلك لأنه لو كان السند يراهن علي مرض من نوع واحد ألزهايمر مثلاً واكتشف علاج لهذا المرض ستنخفض قيمة السند تباعاً لأن الأشخاص سيعيشون أكثر.

ويحذر بعض خبراء الاقتصاد من الانخداع بالتقييم الائتماني لسندات التأمين علي الحياة مثلما حدث مع سندات قروض الرهن العقاري عالية المخاطر التي كانت تأخذ قبل اندلاع الأزمة تقييمات مرتفعة تصل إلي »AAA «.

فقد كانت البنوك التي باعت هذه السندات تهدف إلي تقليل حجم المخاطر عن طريق حزم سندات الرهن العقاري من مناطق مختلفة وبتقييمات ائتمانية مختلفة للمقرضين، ظنا منها أن هذا سيحد من مخاطر التعثر الجماعي، فلو هبطت أسعار المنازل في منطقة معينة ولتكن فلوريدا وهو ما قد يتسبب في انتشار موجة التعثر في هذا الجزء من المحفظة الاستثمارية، فإنه من المستبعد أن تهبط أسعار المنازل في نفس الوقت في منطقة أخري مثل كاليفورنيا، إلا أن ما حدث هو انهيار أسعار المنازل في جميع الولايات المتحدة وهو ما سبب خسارة مئات المليارات من الدولارات وأثبت خطأ اعتقادهم وجعل هذا وكالات التقييم الائتماني مثل ستنادرد آند بورز ومودي -التي كانت تعطي لسندات الرهن العقاري تقييمات مرتفعة للغاية قبل الأزمة-تقترب من سوق تسويات التأمين علي الحياة بحذر شديد.

ويري بعض الخبراء أن توريق وثائق التأمين له فرصة نجاح كبري نظراً لرغبة المستثمرين في توعية استثمارية جديدة لا تتشابك مع استثماراتهم الأخري. حيث تتميز تسويات التأمين علي الحياة بقلة ارتباطها بأنواع الأصول الاستثمارية الاخري الموجود في السوق وضعف تأثرها بمؤشرات الاقتصاد الكلي.

يقول السيناتور الديمرقراطي هيرب كول إن توريق تسويات التأمين علي الحياة يضيف عنصر مخاطرة آخر الي صناعة التأمين التي تحتاج اصلا الي تعزيز سبل الرقابة والشفافية فيها.

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »