رجائى عطية

‮»‬وكلهم آتيه يوم القيامة فردا‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية

استحضر انتباهي آية في القرآن الكريم تنذر المنكرين والكفار والمعاندين، بقول الحق جل علاه : »وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا« (مريم 95)..
 
ومن يقرأ القرآن المجيد، يلاحظ كيف أن النذير القرآني قد أتي في كل مواضعه بالغ الحكمة شديد الوقع نافذ الحجة، أينما يتابعه في الكتاب المبين، يلمس هذه الخصائص مجتمعة، فالحق سبحانه وتعالي يمهل ولا يهمل، وفي سورة آل عمران : »لاَ يغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ * لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللّهِ وَمَا عِندَ اللّهِ خَيرٌ لِّلأَبْرَارِ« (196 ـ 198)، وكما ترد البشارة والوعد، يأتي الوعيد في موضعه منذرا بالعذاب الأليم، وربك سبحانه لا يظلم أحداً، فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره، ومن جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزي إلاّ مثلها وهم لا يظلمون.. ومع غفرانه وتوبته سبحانه وتعالي علي من يتوب إليه، فإن الآيات المبينة تقرن شدة العقاب بغفران الذنب وقبول التوبة، فيقول جلّ شأنه في مستهل سورة غافر : »غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ إِلَيهِ الْمَصِيرُ« (غافر3).. ونري في آيات سورة مريم ـ بعد أن عددت صورا من عناد المنكرين أو إدعاءات المدعيين، وتطاول البعض وتمنيهم الأماني أنهم سيرزقون في الجنة أموالاً وولداً، وكفرهم بآيات الله، واتخاذ بعضهم من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزاً، وزعم بعضهم أن الملائكة بنات الله، أو أنه سبحانه وتعالي قد اتخذ ولدا، تري الآيات لا تكتفي ببيان ما في ذلك من منكر وفظاعة وبهتان، وإنما تضمن التقريع آيتين بالغتي الدلالة في تقريع المعاندين واستحضار انتباههم إلي ما يفوتهم ويغيب عن حسبانهم، فتقول الآية (93) : ” إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلآ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ».. فقد أحصاهم تبارك وتعالي وعدهم عداً، ثم تقول الآية (95) :« وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يوْمَ الْقِيامَةِ فَرْدًا ».. قمة الحجة والبلاغة والمزاوجة بين العبودية التي لا يعز عيها مخلوق إلاّ ويأتي إلي الرحمن ـ ولاحظ صفة الرحمة التي أوردتها الآية هنا ! ـ إلا ويأتي إليه عبداً خاضعاً ذليلاً لا يملك شيئا مما كان يتباهي أو يفاخر به أو يوميء إليه أو يعاند فيه.. الكل بلا استثناء عباده، لا يعز منهم أحد علي حساب ربه الذي أحصاهم عددا وأحصي ما صدر عن كل منهم، ومع ذلك تقرن الآية هذا الوعيد والنذير بصفة رحمته تباركت أسماؤه.. في هذا اليوم لا ظهير لأحد لا نصير، ولا عزوة ولا قبيلة ولا أحزاب ولا عصبية، وإنما يأتي الجميع فرادي.. فرداً فرداً..لا مال يعينه ويؤازره، ولا نصير يؤيده ويدعمه، ولا ملاذ له في عصابة أو قوة أو أسرة أو قبيلة أو قوم.. فالكل آتي إلي الله تعالي يوم القيامة فرداً.. حسابه أمامه سبحانه وتعالي علي ما قدمت يداه وسلك في دنياه.. ففي القرآن المجيد : »وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يوْمَ الْقِيامَةِ كِتَابًا يلْقَاهُ مَنشُورًا« (الإسراء 13).
 
شخصية المسئولية ملمح قرآني بالغ الحكمة، فالإنسان مسئول في شريعته عما يفعل وعما يدع، يثاب وينجو بعمله لا بوساطة ولا بشفاعة الكهان أو الأحبار والرهبان.. يأتي إلي ربه فرداً لا نصير له من مال أو جاه أو منصب أو عزوة أو قبيلة أو حزب، مصيره معلق بسجله وفعله، يأتي منسلخا من كل ما انتصر به أو تجبر أو اعتز أو اغتر في دنياه .. طائره في عنقه لا في عنق سواه، عبد فرد خاضع ذليل إلي ربه، لم يخرج من الدنيا برصيد البنوك أو تلال الثروة أو سجلات المجد والفخار،أو صفحات التجبر والطغيان، أو أضغاث الأوهام.. لا يحمل إلاّ كتابه بيمينه أو بشماله، فيما وصفه القرآن المجيد وصفا بليغا يحمل بيانه لمن يعتبر.. فيقول عز وجل : »يوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَي مِنكُمْ خَافِيةٌ * فَأَمَّا مَنْ أُوتِي كِتَابَهُ بِيمِينِهِ فَيقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيامِ الْخَالِيةِ * وَأَمَّا مَنْ أُوتِي كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيقُولُ يا لَيتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ * يا لَيتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيةَ * مَا أَغْنَي عَنِّي مَالِيهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ * إِنَّهُ كَانَ لا يؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ« (الحاقة 18ـ33).

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »