شريف عطية

‮»‬الوهابيون‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

 شريف عطية

عبر خطي حثيثة علي استحياء، ولكنها منتظمة علي طول العقد الأخير، تجري المملكة السعودية – للمرة الأولي، مراجعات سياسية وتعليمية واجتماعية وإعلامية.. تتصل بالتحرر النسبي والتدريجي من نواهٍ وأحكام صارمة للمذهب الوهابي.. الذي ارتضته السلطة الزمنية.. كثاني اثنين لثنائية الحكم مع أسرة ابن سعود علي أرض الحرمين الشريفين منذ 1924، وحيث من المرجح أن الدافع لهذه المراجعة »الحرجة«، من وجهة نظر النظام السعودي، إنما تعود للتعقيدات التي طرأت علي طبيعة السياسة الأمريكية بعد تفجيرات سبتمبر 2001.. لجهة التصدي للحركات الإسلامية الأصولية المتشددة، من بعد أن أطلقت عملياتها الإرهابية.. التي باتت تدق عواصم الغرب ومدنه الكبري.. موجات ما يسمي بظاهرة »الإسلاموفوبيا«، بعضها قد يكون مبرراً.. فيما تختفي ذرائع جيوسياسية – اقتصادية وراء الإصرار علي المبالغة في تضخيم أخطار هذه الظاهرة.. والنفخ المتواصل في أدائها.

إلي ذلك، تداولت الفضائية السعودية الأشهر »العربية« مساء 29 أكتوبر الماضي.. عبر ملتقي غير مألوف من أكاديميين ورجال دين سعوديين، النقاش حول »الوهابية«… مما قد يعبر عن ضغوط علي كاهل القيادة السعودية لكي تكون أسرع إيقاعاً نحو المزيد من تطويع المريدين الكثر من الوهابيين.. في المملكة، وفي خارجها علي السواء، الأمر الذي دونه معارضات عقائدية تصل إلي حد استخدام العنف علي النحو المشهود في العقدين الأخيرين ضد المصالح الأجنبية أو السلطات المحلية علي حد سواء، ذلك بنفس القدر الذي يتحمس مخالفوهم من الليبراليين.. لإخراج وتقليص نفود الوهابيين-.. من معادلة نظام الحكم، لهدف المزيد من التحديث وإعلاء الإسلام الليبرالي سيان بسيان.

وفي إطار هذا السجال المتفاقم باطراد بين ندّين يملك كل منهما العديد من عناصر القوة الذاتية، فمن المتوقع أن يحسم الصراع بينهما.. لصالح أحدهما دون الآخر.. وهو الأمر المحفوف بالمخاطر غير المحدودة، إلا إذا تراضيا حول الرغبة في تجنبها.. وصولاً إلي حلول وسط »مستبعدة«.. علي الأقل من جهة الأصوليين العقائديين، إذ أن الاتجاه إلي التغريب (الليبرالي) قد يحمل في ثناياه تعاظم التدخلات الأجنبية في جزيرة العرب، وهو أمر لا يلقي القبول تماماً نظراً للطبيعة البدوية الغالبة علي السكان.. الذين يرون في التمسك الصارم بأصوليتهم.. درعاً تحمي هويتهم من الذوبان في الآخر، مما ساعد في السابق، ولا يزال، علي انتشار المذهب الوهابي، بوصفه قوة اجتماعية، منذ نهاية القرن الـ18.. في الفترة التي كانت تسعي فيها كل من بريطانيا وفرنسا لبسط سيطرتهما علي تجارة المحيط الهندي.. وطرق مواصلاته، ذلك دون استثناء هيمنة الأتراك العثمانيين خلال هذه الحقبة علي الجزيرة العربية وجوارها، فإذا كان الشيء بالشيء يذكر، فقد كان لظهور الإسلام في القرن السابع والتفاف السكان لاعتناقه، أن تضاءل نفوذ الإمبراطوريات الأجنبية، الفارسية »المجوسية« والبيزنطية »المسيحية«، المحيطتين من سابق بجزيرة العرب تهددا هويتها.

وعلي غرار الأسباب نفسها، مع الفارق، فقد بدأت »الوهابية« في نشر دعوتها الأصولية بالتزامن مع بدء أسرة سعود توسيع سيطرتها علي »نجد« 1775، وبحماس منها يصل إلي حد التعصب الذي تسبب في إثارة المشاكل لاحقاً في وجه الإمبرياليين البريطانيين.. فضلاً عن السلاطين العثمانيين الذين توارثوا الخلافة، وليشن »الوهابيون« مع مطلع القرن الـ18، ولعامين متتاليين، الهجوم علي الأماكن المقدسة في كربلاء ومكة.. يعملون فيهما نهباً وتدميراً بقسوة غير متناهية (..) تتعمد الترهيب لا القتال، إلي أن توجهت حملة من مصر »محمد علي«، لمدة خمس سنوات، لسحق الوهابيين في عام 1818، كما اعتقدوا، إلي الأبد، ذلك قبل أن يعاودوا النهوض مع ابن سعود المرة تلو الأخري من بعد خسوف سياسي كلي، وليتمكن الأخير في العام 1918 من تحقيق أكبر صفقة، عقب انتهاء الحرب العالمية الأولي بهزيمة تركيا، من خلال الحصول علي اعتراف بريطانيا بوضعه، ليتشارك والوهابيون.. منتصف عشرينيات القرن الماضي في حكم البلاد، دينياً وزمنياً، قبل أن يطالبهم الأمريكيون، لأسبابهم، بتعديل هذه الصيغة.. وفك الارتباط بينهما بعد زهاء ثمانين عاماً من تلازمهما، فماذا هما فاعلان؟

شارك الخبر مع أصدقائك