لايف

‮»‬المرگزي الأوروبي‮« ‬حائر بين التضخم والانكماش

خالد بدر الدين   مازال البنك الأوروبي المركزي يمتنع عن طبع اوراق البنكنوت لمواجهة الازمة المالية العالمية عكس نظرائه في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وبريطانيا والذين ضخوا كميات ضخمة من السيولة النقدية لمنع اقتصاداتها من الوقوع في هوة الركود العميقة…

شارك الخبر مع أصدقائك

خالد بدر الدين
 
مازال البنك الأوروبي المركزي يمتنع عن طبع اوراق البنكنوت لمواجهة الازمة المالية العالمية عكس نظرائه في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان وبريطانيا والذين ضخوا كميات ضخمة من السيولة النقدية لمنع اقتصاداتها من الوقوع في هوة الركود العميقة وربما لا يستطيعون الخروج منها إلا بعد فترة طويلة.

 
ويبدو أسلوب المعالجة الأوروبي للعديد من الدول الآسيوية والأمريكية ولبعض ساسة اوروبا مثل نيكولا ساركوزي رئيس فرنسا اسلوباً قصير النظر من المحتمل أن يترك أوروبا تناضل سنوات عديدة لاستعادة انتعاشها بعد ان تكون الدول الأخري قد استعادت نموها.
 
ولكن البنك المركزي الأوروبي ثابت علي موقفه منذ اندلاع أزمة الأسواق المالية في أغسطس عام 2007.
 
ولم يندفع في خططه التحفيزية مثل بقية البنوك المركزية في العالم زاعما انه لا يفكر في الازمة الحادة في الوقت الراهن فقط، ولكنه يضع عينيه ايضا علي توابعها في السنوات المقبلة.
 
ويري جان كلود تريشيه رئيس البنك الأوروبي المركزي الذي يبدو لديه جناحان ولكنه ليس لديه هدف يطير إليه، أن خطط التحفيز المستمرة ستعوق عودة النمو المستديم لأنها تقلل الثقة التي تعد من أغلي المكونات في الأسواق المالية في الظروف الحالية.
 
وعندما قامت كبري البنوك المركزية العالمية باجراء تخفيضات حادة في اسعار الفائدة تباطأ كثيراً البنك الأوروبي المركزي في اتباع هذا الخفض.
 
كما أنه عندما اندفعت البنوك العالمية لانقاذ المؤسسات المالية فإن المركزي الأوروبي المحدود السلطات بحكم دستور الاتحاد الأوروبي ترك خطط الانقاذ تقوم بها كل دولة علي حدة تبعاً لحالة افتقادها.
 
والآن.. عندما تبذل البنوك المركزية العالمية جهوداً مكثفة لتوفير السيولة المالية والخطوط الائتمانية بعد أن تجمدت قدرتها علي خفض أسعار الفائدة قصيرة الأجل أكثر من ذلك يظل البنك الأوروبي المركزي متحفظاً وحذرا من اندلاع مشكلة التضخم في المستقبل.
 
ويأتي هذا الموقف المتشدد للبنك المركزي الأوروبي حول عبارة »طباعة البنكنوت« لأنها تثير في نفوس زعماء اوروبا أسوأ كوابيسها الاقتصادية بدءاً من انهيار العملات وحتي ارتفاع التضخم بمعدلات ضخمة وكذلك انهيار العملة في ألمانيا بعد أن خسرت حربين عالميتين خلال القرن العشرين.
 
ولكن المعارضين لسياسة البنك الأوروبي المركزي يؤكدون أن رئيس البنك يقلل من خطورة ديناميكية الركود الحالي الذي لا يستطيع أن يتوقع أحد مدي عمقه واستمراره بعد أن اندلع بسرعة وأدي إلي انهيار شديد في جميع القطاعات الاقتصادية تقريباً.
 
وذلك ينبغي أن يشارك البنك الأوروبي بفاعلية في توفير السيولة النقدية لدعم اقتصاد أوروبا الآن كما فعل بنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي وبنك »أوف انجلاند« وبنك »اوف يابان«. وان كانت جهودهم غير كافية حتي الآن كما يقول كينيث واتريت الخبير الاقتصادي لمنطقة اليورو في بنك »BNP باريبا« فرع لندن الذي يطالب بضخ المزيد من النقود لتوفير القروض في البنوك، لتحريك قاطرة الائتمان للأفراد والشركات.
 
ومن المخاطر الأخري التي تواجه » المركزي الأوروبي« ان السياسات المتبعة في واشنطن ولندن تضع ضغوطاً علي منطقة اليورو عن طريق أسعار الصرف حيث قفز اليورو بنسبة %10 تقريباً مقابل الدولار منذ اعلان بنك الاحتياط الفيدرالي زيادة المعروض من العملة الأمريكية التي ارتفعت أيضاً مقابل الجنيه الاسترليني.
 
وعدم تدعيم اليورو سيكلف الصادرات الأوروبية ثمناً غالياً لأنها ستخرج من الأسواق العالمية عندما تسترد عافيتها حيث يلقي الاقتصاد الأمريكي دعماً غير مباشر دون أن تضطر الحكومة الأمريكية إلي خفض قيمة عملتها.

 
ويؤكد إيريك نيلسن خبير الشئون الاقتصادية لأوروبا في بنك »جولدمان ساكس« انه ليس من اليسير البدء فجأة في الدخول في عمليات خفض تنافسية علي أسعار الصرف ولكن يمكن تخفيف السياسة النقدية في كل دولة مما يؤدي إلي نفس النتيجة المطلوبة.

 
ومع وصول سعر الفائدة الاسترشادية للبنك الاوروبي المركزي إلي %1.5 واحتمال انخفاضه إلي %1 في ابريل الحالي فإن السياسة الاقتصادية المطلوبة في أوروبا تعتمد علي ما إذا كان البنك المركزي الألماني سينضم إلي الحركة العالمية الرامية لشراء الأصول المالية سواء كانت سندات خاصة أو ديون حكومية عندما تقترب أسعار الفائدة من الصفر.

 
ورغم أن جان كلود تريشيه لا يستبعد تنفيذ هذه الجهود ومنها سياسة التوسع الكمي فإنه حريص علي عدم الاشارة إليها لأسباب تتعلق بالقواعد المنظمة للبنك، وأسباب أخري كامنة في الثقافة الأوروبية وتاريخ أوروبا حيث يتردد الاتحاد الأوروبي في محاكاة نظرائه من دول العالم.

 
وبعد أن اتجه البنك إلي تقريب تكاليف الاقتراض إلي الصفر فإن المحللين يأملون في أن يتوسع البنك في زيادة فترة القروض التي تقدمها للبنوك كجزء من عمليات معتادة تضمن ابقاء السيولة في خزائنها.

 
ولكن البنك الأوروبي المركزي يتجنب تنفيذ أي اجراء يشبه النشاط المحموم الذي قام به مؤخراً ببنك الاحتياط الفيدرالي الأمريكي، الذي يراه الألمان بمثابة محاولة يائسة لاصلاح النظام البنكي الأمريكي حيث يحاول البنك الأمريكي تجريب كل ما يخطر علي باله لضخ الأموال في اقتصاده المتعثر، وتنبيه النظام المالي الذي راح في غيبوبة والذي يشبه حارس الائتمان في الأوقات العادية.

 
وقام البنك الأمريكي بشراء مجموعة ضخمة من الأوراق المالية منها سندات الحكومة التي تؤثر أسعارها علي تكاليف الاقراض في جميع قطاعات الاقتصادي الأمريكي، وهذا لم يكن ضرورياً كما يري المسئولون الأوروبيون لأن الخطط المتكررة لاعادة هيكلة النظام البنكي لم تحقق شيئاً سوي الفشل المستمر.

 
ومع ذلك فان جان كلود تريشيه يتجنب توجيه اي انتقاد علني لسياسة وزارة الخزانة الامريكية او بنك الاحتياط الفيدرالي وان كان تيموثي جيثنر وزير الخزانة الامريكي يقول دائما إنه يشعر باعجاب شديد نحو الخطط الاوروبية التي تستهدف اعادة تكوين رؤوس اموال النظام البنكي، وضمان بعض التعاملات المالية.

 
كما يري المسئولون في المركزي الاوروبي ان النظام المالي في اوروبا يختلف كثيرا عن النظام الامريكي مما يجعل سياسة التوسع الكمي غير ذات فعالية في اوروبا.

 
فحوالي ثلثي القروض في اوروبا تتم من خلال قروض البنوك، والباقي يأتي من سندات الديون وهذا عكس ما يوجد في الولايات المتحدة الامريكية مما يجعل بنك الاحتياط الفيدرالي يعتقد انه يساعد كثيرا في انقاذ الاسواق المالية بشرائه سندات الديون.

 
ولا ينكر البنك المركزي الاوروبي انه يواجه ركوداً حاداً ومؤلما حيث يتوقع انكماش اقتصادات منطقة اليورو بمعدل %3.2 هذا العام.

 
وحتي اذا استخدم افضل سيناريو لانتعاش هذه الاقتصادات فلن يستطيع ان يعالج انيميا النمو في هذه الدول لانه لن يحقق سوي %0.7 فقط خلال العام المقبل مع ارتفاع البطالة بدرجة شديدة.

 
وبالاضافة الي الاقتصادات الضعيفة هيكليا مثل ايرلندا واسبانيا وايطاليا واليونان فان منطقة اليورو تعاني من تدهور اقتصاداتها لاسيما المانيا التي كانت تعد قاطرة النمو الاقتصادي في اوروبا حيث ينكمش اقتصادها ايضا بسبب ضعف الطلب العالمي علي صادراتها.

 
والغريب ان المسئولين الاوروبيين لا يشعرون بالخوف من حدوث الانكماش الذي يعتمد علي انخفاض عام ومستمر في الاسعار والذي يمثل العدو الذي يحاول ان يتفاداه بنك الاحتياط الفيدرالي الامريكي بكل المحاولات التي يبذلها لمواجهة الازمة الحالية.

 
وتقل توقعات البنك المركزي الاوروبي بخصوص التضخم كثيرا عن المعدل الذي يستهدفه خلال العامين الحالي والمقبل.

 
ويري البنك انه سيقل عن %2 وهذا يساعده في رفع القوة الشرائية للمواطنين الاوروبيين ولكن جورجين ستارك احد اعضاء المجلس التنفيذي للبنك الاوروبي يري ان هناك فرقا كبيرا بين انعدام التضخم ووقوع الانكماش.

 
ولكن اوروبا لاسيما المانيا التي يقع فيها مقر البنك الاوروبي المركزي تظهر فيها مخاوف واضحة من التضخم ايضا حتي وان كان خبراء الاقتصاد الاوروبي مازالوا في جدال حول ما اذا كانت الاسعار ستنخفض ام ستظل ثابتة؟

 
وكانت الخطوة التي اعلنها بنك الاحتياط الفيدرالي الامريكي منتصف مارس الماضي بضخه تريليون دولار اضافي في النظام المالي قد جعلت صحيفة بيلد الالمانية التي تحقق اعلي المبيعات تعلن في عناوينها الرئيسية »مخاطر التضخم« التي بدأت تخترق السياسات الاوروبية الآن.
 
وقد ارسلت اجراءات البنك الامريكي المبالغ فيها مخاوف متزايدة في المؤسسات المالية الاوروبية التي يحاول رؤساؤها حماية القوة الشرائية في منطقة اليورو التي لا يتجاوز عمرها 10 سنوات.
 
كما ان اسعار السلع التي تعد من المؤشرات الكلاسيكية للتضخم في المستقبل ارتفعت بحدة بينما انخفض سعر الدولار مما جعل المستثمرين يتوقعون المزيد من تدني قيمة العملة الامريكية في المستقبل.
 

شارك الخبر مع أصدقائك