رجائى عطية

‮»‬اللا جديد‮« ‬عربيا‮ ‬ 2011

شارك الخبر مع أصدقائك

نعم، سوف يكون هناك »جديد« يلحق بالعالم العربي في العام 2011، مثل غيره من الدول والمناطق الجيوسياسية، لكن ليس بالمعني الإيجابي للجدّة، كما الهند وتركيا وإيران وغيرها علي سبيل المثال، بقدر ما سيكون الجديد العربي تكريساً لتراجعات ملموسة، بخاصة في العقدين الأخيرين، علي الأقل، منذ شجعت سيولة النظام العربي.. قيام أحد أعضائه »العراق« بغزو دولة أخري من وحداته السياسية »الكويت« أغسطس 1990.. ولينقسم من ثم بين مؤيد ومعارض لهذه الخطوة غير المسبوقة في التاريخ العربي المعاصر، فإذ سرعان ما هرعت القمة العربية، في ضوء عجزها عن إيجاد تسوية عربية للأمر، إلي الاستعانة بالأجنبي تحت مسمي »قوات التحالف الدولي« بقيادة الولايات المتحدة.. لكي تنوب عنها في تحرير الكويت، ولتصبح الأرض العربية شرقي السويس، من ذلك التاريخ إلي اليوم، وبذرائع مختلفة، نهباً للقواعد الأجنبية، حتي من بعد الانسحاب المرتقب للجيش الأمريكي خارج العراق نهاية 2011، أما التراجع التالي الذي لا يقل في مأساويته عن سابقه.. فقد كان في »أوسلو« 1994.. حين أعطت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية »شيكاً علي بياض« إلي إسرائيل، يعترف أصحاب الأرض الأصليون بموجبه، بالاحتلال الاستيطاني الصهيوني، وليكتشف الفلسطينيون قبل انتفاضة »الأقصي« عام 2000.. أنهم لم يحصلوا من إسرائيل غير الوهم.. يتسولون من خلاله مجرد التفاوض من أجل استرداد حقوقهم من المحتل.. ولا مجيب، إلا من وعود هلامية بإقامة الدولة الفلسطينية.. آخرها في 2011، إذا صدق وعد الرئيس الأمريكي سبتمبر الماضي بذلك، أما التراجع المأساوي الثالث.. فقد جاء مع اتفاقية »نيفاشا« 2005 لإنهاء حرب أهلية دامت لعشرين عاماً بين شمال السودان وجنوبه، أعطت للأخير بموجبها حق تقرير المصير بعد ست سنوات، كورقة قوة رابحة في أيدي الجنوبيين، لم يعرف حكام الخرطوم، أو النظام العربي الذي بارك الاتفاقية، قيمتها إلا حين اتجهت الأمور إلي ترجيح انفصال شطري السودان يناير 2011، مما قد يغذي نزعات انفصالية مشابهة في شرق السودان وغربه، كما يتحدث التردي العربي من جهة رابعة.. عن مأساوية الحالة الصومالية كنموذج لـ»الدولة الفاشلة« منذ العام 1991، إذ تغلبت سلطة القبائل وأمراء الحرب علي مركزية الحكم لعقدين من الزمان إلي أن طالب مؤتمر مدريد سبتمبر الماضي، »الرئيس« الانتقالي للصومال بإعداد »خريطة طريق« تعرض علي البرلمان بانقضاء الفترة الانتقالية سبتمبر 2011، وحيث يدعو الرئيس وأنصاره عبر حملة سياسية إلي تجديد ولاية الرئيس لعامين إضافيين، قد يتمكن خلالها من إخماد حركات التمرد أو أن يفشل في الحيلولة دون سقوط كامل العاصمة »مقديشيو« المحاصرة من مختلف جوانبها.. في أيدي المعارضة المسلحة المدعومة من تنظيم القاعدة، التي سوف تسيطر عندئذ بالكامل علي مضيق باب المندب.. مما يهيئ لها، بشكل أكثر فعالية، التدخل في شئون اليمن »الدولة العاجزة«، الأمر الذي سوف يمثل تهديداً متصاعداً لبوتقة جديدة للإرهاب الدولي عبر هذا الخط الملاحي البحري الكبير.. سواء لدول الجوار في جزيرة العرب، أو القرن الأفريقي.. أو للدول الصناعية الكبري التي سوف تسارع عندئذ بالتدخل في هذه المناطق جنوبي السويس  لحماية مصالحها.. علي نفس الغرار وبنفس ذرائع تدخلها مطلع التسعينيات في شرقي السويس، وأما إذا امتد البصر إلي كل من المآسي العربية.. حيث الحالة اللبنانية شرق البحر المتوسط، التي تشتبك في تعقيداتها قوي إقليمية ودولية مختلفة، منذ الحرب الأهلية 1975.. وتوابعها في لبنان، كفائض جغرافي وسياسي للصراع في داخل الشرق الأوسط.. وحوله، فإن العام المقبل 2011 سوف يحمل للملف اللبناني.. القرار الظني للمحكمة الدولية الخاصة باغتيال »الحريري«، ليضيف إلي الأزمة اللبنانية حدثاً جديداً، ربما لا تقتصر ردود أفعاله علي مجرد الحرب بالكلمات، حيث قد تقود تلقائياً أو عبر تدخلات ملتبسة من خصوم العالم العربي إلي حرب بالرصاص.. قد تكون الأخيرة في لبنان قبل تفتيته.
 
وإذا كان ما سبق.. مجرد مسح سريع للنقاط المتفجرة في العالم العربي.. التي من المتوقع أن تزداد اشتعالا في 2011، فإن في غيرها من النقاط.. تكمن النار تحت الرماد، حيث الانتخابات الرئاسية في غير دولة عربية العام المقبل، فضلاً عما جاء مؤخراً بالتقرير الثالث للإصلاح العربي من »تزايد قلق النخب علي بقاء الدول العربية بسبب تنامي النزعة الطائفية بين الشعوب، وإلي تراجع ملموس في الحريات السياسية والمدنية والتشريعية«، إذ ربما لا تقل مثل هذه التراجعات، بالداخل العربي، في مأساويتها عما سبق بيانه من تراجعات استراتيجية أكثر مدعاة للقلق بالنسبة لما سوف يكرسه العام المقبل من مخاطر متراكمة، قد يفجرها »اللا جديد« عربياً.
 

شارك الخبر مع أصدقائك