‮»‬العلاقات السعودية ـ الأمريكية‮.. ‬واستقرار المنطقة‮«‬

شارك الخبر مع أصدقائك

 إسماعيل حافظ
 
استلفت انتباه المتابعين لتطورات قضايا الشرق الأوسط، الجهود الدبلوماسية الواسعة والمكثفة التي قام بها العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز خلال شهر واحد، بدءاً بزيارته واشنطن في 30 يونيو الماضي، ثم أتبعها بجولة عربية من 28 إلي 30 يوليو، بدأها بزيارة القاهرة ثم دمشق وبيروت وعمان، للتباحث والتشاور ومحاولة إيجاد حلول أو مخارج لعملية السلام المتعثرة، ولاحتواء فتنة طائفية ومذهبية أطلت برأسها مهددة بضرب الاستقرار في لبنان.
 
ونستعرض فيما يلي زيارة الملك عبدالله لواشنطن لأهميتها في إجراء محادثات شاملة مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما استغرقت مدة ساعتين تناولت استراتيجية وسياسة البلدين والتنسيق بينهما، فيما يتعلق بدفع عملية السلام والمفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ومواجهة الأزمات القائمة في منطقة الشرق الأوسط. نتناول جهوده مع القيادات العربية في مقال آخر.
 
1- ركزت المباحثات بين العاهل السعودي والرئيس أوباما علي سبل دفع المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية والسلام الشامل مع سوريا ولبنان، وقد أعاد الملك عبدالله شرح وتأكيد الموقف السعودي الذي تمثل في طرحه مبادرة لإنهاء النزاع العربي – الإسرائيلي، وذلك في القمة العربية التي انعقدت في بيروت في مارس عام 2002 وتبنتها الدول العربية بالإجماع وهي »مبادرة السلام العربية« والتي تقضي بانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها إسرائيل في حرب 1967، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وإيجاد حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين، مقابل السلام والتطبيع العربي مع إسرائيل، مؤكداً أن هذه المبادرة مازالت قائمة علي الطاولة حتي الآن، ولكن إسرائيل تجاهلتها بدلاً من الاستجابة لها، ومضت في مشروعها الاستيطاني، بينما يجري التفاوض دون التوصل إلي اتفاق إلي أن توقفت المفاوضات بحرب إسرائيل ضد غزة بنهاية ديسمبر 2009، واستمرت في توسيع الاستيطان بما يهدد قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة، وفق رؤية أوباما لـ»حل الدولتين«، ومطالبة إسرائيل بالوقف الكامل للاستيطان غير الشرعي، مؤكداً هذه الأهداف خاصة في خطابه من القاهرة الموجه للعالمين الإسلامي والعربي لتحسين العلاقات معهما في يونيو 2009.
 
وشدد الملك علي أن الفلسطينيين رحبوا واستجابوا للطروحات الأمريكية لدفع الحل السلمي ومنها الاقتراح الأمريكي بإجراء »مباحثات عن قرب« بوساطة المبعوث الأمريكي الخاص جورج ميتشيل والتي انطلقت في 9 مايو الماضي ولكن دون تحقيق أي نتائج، وليس لدي الفلسطينيين والدول العربية مانع في الانتقال إلي مفاوضات مباشرة من حيث المبدأ علي أن تتوافر متطلبات نجاح هذه المفاوضات بوضع مرجعية واضحة وسقف زمني محدد للمفاوضات ووقف الاستيطان، مؤكداً أن السعودية تتطلع إلي دور إيجابي فاعل من جانب إدارة أوباما لتحقيق ذلك، ومشيراً إلي أن تحقيق تقدم ملموس في المفاوضات سيساعد علي تخفيف التوتر والعنف والتطرف في المنطقة، وهو ما يحقق مصلحة قومية للولايات المتحدة.
 
من جانبه وعد الرئيس أوباما بأنه في حالة قبول الفلسطينيين الدخول في »مفاوضات مباشرة« فسوف يدفع إسرائيل إلي اتخاذ خطوات إيجابية لبناء الثقة مع السلطة الفلسطينية كما سيحص إسرائيل علي امتداد تجميد نشاطها الاستيطاني، وأكد مجدداً التزامه بحل الدولتين، داعياً الدول العربية إلي مساعدة الجهود الأمريكية والتمسك بالعملية السياسية وبنهج المفاوضات. وجاء في بيان البيت الأبيض أن الزعيمين »أعربا عن أملهما في أن تؤدي المحادثات غير المباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين إلي معاودة المحادثات المباشرة لتحقيق حل الدولتين، كما ناقشا أهمية معاودة المفاوضات علي المسارين الإسرائيلي – السوري والإسرائيلي – اللبناني من أجل تحقيق السلام الشامل في الشرق الأوسط، ورحب الرئيس أوباما باستمرار قيادة الملك عبدالله لدعم مبادرة السلام العربية«.
 
2- جرت محادثات معمقة حول »الملف النووي الإيراني«، أعاد خلالها الرئيس أوباما شرح موقف بلاده مركزاً علي أن سياسته منذ بداية عهده قامت علي الرغبة في فتح صفحة جديدة مع القيادة الإيرانية وطرح عليها الحوار والمفاوضات وأعطي الحل الدبلوماسي وقتاً كافياً للوفاء بالتزامات إيران الدولية ووقف تخصيبها اليورانيوم وإزالة مخاوف المجتمع الدولي إزاء برنامجها النووي والرد علي استفسارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكن إيران راوغت ولم تستجب، مما اضطر الولايات المتحدة والدول الخمس الأخري في مجموعة الست لاستصدار قرار مجلس الأمن الأخير رقم 1929 في 6/9 بعقوبات شديدة القسوة علي إيران، مع إبقاء الباب مفتوحاً للعدول عن هذه العقوبات في حال استئناف مفاوضات جادة والتوصل لحل المشكلة.
 
وأكد الرئيس أوباما عزمه والمجتمع الدولي علي منع إيران من امتلاك السلاح النووي الذي يهدد دول المنطقة والعالم. من جهته، أوضح العاهل السعودي موقف بلاده والدول العربية من رفض حيازة إيران سلاحاً نووياً يتيح لها توسيع هيمنتها وتهديد دول المنطقة، ويساعد في الوقت نفسه علي سباق وانتشار التسلح النووي في الشرق الأوسط بما يتعارض مع توجهات الدول العربية في ضرورة إخلاء المنطقة بما فيها إسرائيل التي تملك ترسانة نووية – من أسلحة الدمار الشامل، لكن الملك عبدالله شدّد علي أن موقف السعودية وكذلك الدول العربية يعارض اللجوء للحل العسكري ضد إيران، نظراً لما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تداعيات كارثية علي دول المنطقة، وفي الوقت نفسه نبه العاهل السعودي إلي ضرورة ألا يؤدي أي حل تفاوضي مع إيران إلي منحها امتيازات علي حساب المصالح العربية. وأبدي الرئيس أوباما أمله في أن يؤدي فرض العقوبات إلي أن تغير إيران موقفها وتنفذ التزاماتها الدولية، وطمأن الملك عبدالله إلي أنه في حال الوصول إلي اتفاق سلمي مع إيران فستكون المصالح العربية موضع اعتبار الولايات المتحدة والدول الست عموماً التي ترتبط بمصالح واسعة بالعالم العربي.
 
وجاء في بيان البيت الأبيض، أن الزعيمين »أكدا دعمهما القوي لجهود مجموعة الدول الست المعنية ببرنامج إيران النووي، وخصّا إيران علي الامتثال لالتزاماتها الدولية وفقاً لقرارات مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية«.
 
3- ناقش الزعيمان الجهود الأمريكية والأطلسية، وكذلك المساعي والاتصالات السعودية الرامية إلي مساعدة »أفغانستان« علي استعادة أمنه واستقراره.
 
4- وأيد الزعيمان حكومة »لبنان« في سعيها إلي الحفاظ علي سيادتها واستقرارها، كما أنهما ناقشا أهمية ضمان استقرار »اليمن« وازدهاره.
 
5- أبدي الزعيمان اهتمامهما بضرورة تشكيل حكومة شاملة في »العراق«، وتوسيع العلاقات المثمرة بين عراق ذي سيادة وموحد وبين جيرانه.
 
6- أكدا أهمية الجهود الرامية إلي التصدي للتطرف العنيف.
 
ورحب الرئيس أوباما بالإجراءات السعودية الناجحة لمكافحة إرهاب تنظيم »القاعدة«، بما في ذلك الموقف الذي اتخذته أعلي السلطات في المملكة لمنع الإرهاب وتمويله.
 
كما أعرب الرئيس أوباما عن تأييده لمبادرة الملك عبدالله لتعزيز الحوار بين الأديان والثقافات.
 
وجدد الرئيس الأمريكي تعهده للعاهل السعودي بإخلاء معسكر جوانتانامو (يتردد أن بداخله حوالي 20 معتقلاً سعودياً).
 
7- ناقشا نتائج مؤتمر قمة »مجموعة العشرين« التي عقدت بكندا في أواخر يونيو الماضي قبل زيارة الملك لواشنطن مباشرة – والتي تناولت بحث الإصلاحات المالية والاقتصادية العالمية، وتعتبر السعودية البلد العربي الوحيد الذي يحظي بعضوية هذه المجموعة نظراً لثقلها الاقتصادي والسياسي في المنطقة والعالم.
 
8- ورحب الزعيمان باستمرار توسيع العلاقات بين البلدين في جميع المجالات بما فيها الاقتصادية والتجارية العلمية والتعليمية، ويذكر أن عدد الطلاب السعوديين في الجامعات الأمريكية يبلغ حوالي 30 ألف طالب.
 
9- وتُعد زيارة الملك عبدالله لواشنطن هي الأولي بعد تولي الرئيس أوباما في يناير 2009 والتي سبقتها زيارة الرئيس أوباما الأولي للرياض في أوائل يونيو 2009 بعد 4 شهور فقط من توليه الرئاسة، تعزيزاً لعلاقات البلدين خاصة علي مستوي الزعامتين، والتي تأكدت بالاطراء المتبادل بينهما في واشنطن، حيث أشاد أوباما بـ»حكمة وفطنة الملك عبدالله«، ورد العاهل السعودي واصفاً الرئيس أوباما بـ»الرجل الشريف والصادق«، وهو أمر دلل كذلك علي ارتياح كل منهما لأوضاع العلاقات المتميزة بين البلدين، ولما أسفرت عنه محادثاتهما من دعم التعاون والتنسيق الاستراتيجي بينهما إزاء مشاكل منطقة الشرق الأوسط المتأزمة علي وجه الخصوص.
 
وتعتبر الولايات المتحدة علاقاتها بالسعودية أساساً قوياً لسياسة ونهج الاعتدال العربي، بما يعزز الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، فضلاً عن المصالح البترولية الأمريكية الضخمة مع السعودية، وتنظر السعودية إلي العلاقة مع الولايات باعتبارها سنداً متيناً لحماية أمنها القومي وأمن دول الخليج ضد المخاطر والتهديدات الخارجية، علاوة علي أن الولايات المتحدة هي المصدر الرئيسي لتزويد السعودية بالسلاح وتدريب قواتها المسلحة.
 
ويعلق الملك عبدالله الأمل علي صدق نوايا ورغبة الرئيس أوباما في مساعدة الفلسطينيين والدفع بـ»حل الدولتين« والسعي لسلام شامل، وأكد الرئيس أوباما عدة مرات أنه يحقق المصلحة القومية الأمريكية في المنطقة.

شارك الخبر مع أصدقائك