رجائى عطية

‬ سرف التقاضي‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية:

من الظواهر التي باتت مألوفة، الإسراف الشديد جدا في التقاضي، حتي حلت القضايا لدي الكثيرين محل معظم الحلول التي يجب علي الناس أن يأخذوا بها قبل اللجوء إلي القضاء باعتباره الحل الأخير إذا استحالت كل الحلول!!

أسرف كثيرون في التقاضي.. حتي في مسائل الرأي والفكر، والكتابة والتأليف، والدين والعقيدة.. حتي شاع بصورة غير مألوفة ـ رفع ما صار يسمي بدعاوي الحسبة التي ترفع بلا صفة ولا مصلحة شخصية إحتساباً لله سبحانه وتعالي.. وقد أدي شيوعها والخلط في معناها وغاياتها، وإسراف البعض في رفعها والخلط في مبانيها، إلي تدخل المشرع لتنظيم رفع مثل هذه الدعاوي بما يضمن عدم إساءة استخدامها في مضرة الناس وإقلاق أمانهم والإساءة إليهم بغير موجب ولا مقتضي، فأصدر لذلك ـ القانون رقم 3 لسنة 1996 الذي جعل للنيابة العامة دوراً في أسلوب وخطوات رفعها يضمن عدم الانحراف في استعمالها!

علي أن إسراف الناس في التقاضي لم يقتصر علي دعاوي الحسبة، فأسرف كثيرون في رفع الدعاوي القضائية بشتي أنواعها، الشرعية والمدنية والتجارية والإدارية فضلا عن الجنائية.. واستسهل البعض أسلوب التقاضي بدل التفاهم أو التفاوض أو التصالح أو الحوار.. ودرج البعض علي استيسار رفع دعاوي مبناها رجم عباد الله بالكفر، وهو رجم لا يشفع فيه حتي الإخلاص للدين.. فالدين يأمر بالموعظة الحسنة ومجادلة الناس بالتي هي أحسن.. وأجدي للدين ولعامة الناس والرأي العام أن يواجه الشارد إن كان قد شرد والجانح إذا كان حقيقة قد جنح ـ بالحجة والموعظة والبيان الذي يرده إلي الصواب، وينير السبيل لغيره حتي لا يتردي فيما تردي فيه من شرود أو جنوح! ومع أن القانون يعطي حق الرد لكل من يتضرر مما عساه يمسه بطريق النشر أو غيره، إلاّ أن معظم المتضررين ـ عن حق أو غير حق ـ يسارعون إلي المقاضاة، ويفضلون البلاغات أو الدعاوي الجنائية المباشرة، ربما لأنها تحقق نوعاً من الثأر أو الكيد أو الإساءة!.. ولم يعد أحد يكتفي بحق الرد، بل وقد يصرف النظر عنه اكتفاءً بنكاية التبليغ أو الدفع إلي ساحة القضاء الجنائي بأسلوب الإدعاء المباشر!

وقَلّ إلي حد الندرة من يكتفي بحكم أول درجة، فأسرف المتقاضون في استعمال كل وسائل الطعن في الأحكام، بالاستئناف ثم بالنقض، دون أن يقبل أحد الارتضاء بالحكم الصادر في أي مرحلة ما دام القانون يفتح سبيلاً لإستئنافه أو الطعن عليه !

هذا الإسراف في التقاضي، أو في الحلول القضائية بعامة، ظاهرة مرضية مردّها إلي ضيق الأفق وضيق الصدور، وإلي حالة الإشتجار التي تُنحّي المنطق ولغة العقل والتفاهم، وتؤثر التقارع والتصارع والتلاكم.. ثم هي تبدد طاقات الأفراد والمجموع، وتصعّد المشاكل ولا تحلها.. وقد تذهب بها إلي أضابير تستغرق السنين في أروقة المحاكم التي ضاقت بكثرة القضايا والمنازعات التي تؤثر الخصومة علي التفاهم والتراضي!

سرف التقاضي جعل معظم الناس في حالة اختصام واشتجار، وساهم في تجذير العداوات، وتعكير الوئام وإفساد الصلات والعلاقات، وهذا ضيق نظر وغياب عقل.. فمن يعرف جحيم التقاضي يؤثر الحلول الرضائية الاتفاقية، بل ويؤثر الصفح والغفران.. ومع أنني أعمل بالمحاماة من أكثر من خمسين عاماً، ويعاونني في مكتبي عدد من الزملاء الأكفاء، إلاّ أنني لم أستيسر قط اللجوء إلي التقاضي، أو المبادرة إلي مقاضاة من أساءوا إلي .. حتي وإن كانت المقاضاة مضمونة النتيجة لوضوح مبني الحق فيها!

أُثر عن رسول القرآن عليه السلام، أنه أتاه رجلان يختصمان في مورايث لهما، ولم يكن لهما من بينة إلا دعواهما.. فقال عليه الصلاة والسلام لهما« إنما أنا بشر مثلكم، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض أي أقدر علي عرضها والإقناع بها فأقضي علي نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذ منه شيئا، فإنما أقطع له قطعة من نار!.. عندئذ بكي الرجلان، وقال كل منهما لصاحبه : حقي لك، فقال لهما عليه السلام.. »أما إذا فعلتما ما فعلتما فاقتسما، وتوخيا الحق، ثم استهما« أي اقترعا »ثم تحالا«.. أي ينزل كل منكما لأخيه عن حقه ويجعله حلالاً له.

هذا الموقف يعبر عن قاعدة لو أدركها الناس لأراحوا واستراحوا.. مبناها أنه »لو أنصف المتقاضي لاستراح القاضي« .. ففي الحديث : »من خاصم في باطل وهو يعلم ـ لم يزل في سخط الله حتي ينزع «.. أي حتي يقلع عن المخاصمة بغير حق.. الإقتصاد في التقاضي لا يريح القضاة فقط من عناء كثرة وتعقيد الأقضيات والمنازعات، وإنما هو يقسط وينصف المتقاضي نفسه،لأنه يوفر عليه عناء وطول ومعضلات الخصومة، ويكفيه شرور العداوات وتناميها وتجذرها، ويكفل حسن الصلات ويعمر العلاقات الإنسانية بالمودة التي تزداد بالتفاهم والتآلف والتراضي، وتشتعل بالخصومات والعداوات والأقضيات!

لو أنصف المتقاضي لاستراح هو نفسه قبل أن يستريح القاضي!

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »