رجائى عطية

!‬من وحي الحج‮ ‬

شارك الخبر مع أصدقائك

البقاع التي شهدت هذه المشاهد المحزنة التي حدثتك عنها المليئة بالأتراح والعذابات، هي هي التي أري فيها اليوم مئات الملايين الذين جاءوا للحج إلي بيت الله الحرام من كل فج عميق، رجالا وعلي كل ضامر، يتحملون الإجهاد والتعب والعناء، ولا يبالون بشيء من ذلك لمجرد أن تكتحل عيونهم بهذه المشاهد المقدسة، ويؤدوا مناسكهم، ويذكروا الله تعالي في أيام معدودات!
 
أي مفارقة هائلة بين مشاهد الأمس وما لابسها من عذاب وتنكيل، وبين هذا المشهد الرائع الذي تطل عليه الدنيا بأسرها لتري ملايين المسلمين في هذا التجمع الذي ليس له نظير في العالم أجمع!
 
هل كان يدور بخلد أو خيال أحد أن المشاهد المؤلمة التي جرت في بطاح مكة وأزقتها وصور العذاب المفزع التي تلقاها المسلمون، ستتحول بفعل هذه الدعوة التي حملها النبي المصطفي ومتابعة هؤلاء المستضعفين له.. إلي هذا المشهد الرائع الذي يصادف الحاج وكل زائر للبيت الحرام الذي لا ينقطع طواف الآلاف الآتين إليه من شتي بقاع الأرض ـ في أية ساعة من ليل أو نهار، والملايين الواقفة تلهج بالدعاء علي عرفات وعلي سفوح المزدلفة، ثم في مني حيث يتزاحم الملايين لرمي الجمرات وإتمام المناسك ليعودوا بالملايين لأداء طواف الوداع في بيت الله المحرم.
 
أردتك فقط أن تراجع كما راجعت المفارقة الهائلة بين هذين المشهدين، بين العذاب الذي استقوي به الطواغيت علي الضعفاء وعلي الدعوة في مهدها، وبين هذا السؤدد والمكانة الرفيعة التي لقيتها الدعوة ومئات الملايين الذين يأتون للحج والطواف من كل فج عميق.
 
مرت بي سلفًا هذه المشاهد التي نقلتها إليك في المقالات السابقة، وعايشتها وملأت صفحة وجداني عدة سنوات وأنا أكتب المجلدات الخمسة لكتاب »السيرة النبوية في رحاب التنزيل«.. واستجمَعَت ذاكرتي كافة خيوطها وعبقها وأنفاسها وأشجانها وأنا أؤدي مناسك الحج ، وأشاهد الملايين الذين أتوا من كل فج عميق علي كل ضامر، وسيرًا علي الأقدام، فضلاً عن البواخر والطائرات، ليؤدوا هذه المناسك.. ومنهم الآلاف لا ينقطعون ليلاً ولا نهارًا عن الطواف والسعي، بالطوابق الثلاثة بالبيت الحرام، وآلاف مؤلفة يقفون أو يفترشون الثري علي جبال عرفة والمزدلفة، وفي شتي المزارات التي وطأتها الأقدام الشريفة لصفي السماء صلي الله عليه وسلم، وآلاف مؤلفة منهم لم تتسع لهم الفنادق أو لم تتسع إمكانياتهم للنزول والإقامة فيها، يفترشون جوانب بل وأنهار الطرق الفرعية والرئيسية لتكتحل عيونهم بمرأي الكعبة المشرفة، وليؤدوا مناسك الحج، علي ذات هذه الأرض ووسط هذه المشاهد التي عاشها المصطفي صلي الله عليه وسلم وصحابته.. إندفعت المقارنة رغما عني لتملأ كل صفحة وجداني.. بين هذه الملايين التي تملأ الآن مكة وما حولها حاجه إلي بيت الله الحرام، وبين مشاهد العذاب التي عاناها محمد وصحابته من المسلمين الأوائل.. بين طواف وسعي الآلاف المؤلفة الذي يملأ الآن جنبات الكعبة، وبين ما كابده المصطفي عليه السلام بذات المكان من تطاول وسخرية واعتداءات قريش عليه حتي وهو يصلي إلي ربه، وكيف كان يلقون عليه سقط الذبائح وهو ساجد.. بين جنبات مكة التي امتلأت الآن بملايين الحجيج ترصعها في كل ربع، وبين ما كان يجري بأمس في بطحاء مكة من تعذيب العبيد والمستضعفين لإثنائهم عن الإيمان بالرسالة التي بعث بها محمد عليه الصلاة والسلام.. بين هذا الطوفان الذي يحيط الآن بالبيت العتيق تكريما واحتراما وإجلالاً،  وبين اللهو العابث الذي كان يمارسه ـ بذات الحرم ـ رءوس الكفر وطواغيت قريش والغلمان والسفهاء الذين لم يدعوا نقيصة إلاّ اقترفوها في طوافهم العابث الهازئ في البيت الحرام يصفرون ويصفقون ويضعون خدودهم علي الأرض استهزاءً بالمسلمين، ونداءاتهم المخلوطة بالشرك !.. بين هذا الجلال الذي أحسه وأراه يصافح الناظر إلي كل ركن من أركـان البيت الحرام، وبين الأوثان والأنصاب والأزلام وصور الشرك التي كانت تملؤه حتي رفعها محمد المصطفي صلي الله عليه وسلم يوم فتح مكة..
 
هل كان يمكن لأكثر الناس تفاؤلاً أو خيالاً، أن يتوقع أن تتحول مشاهد المكابدة والعذاب الذي عاناه النبي وصحابته والمسلمون في أيام المبعث، إلي هذا المشهد الرائع المرصع بملايين الحجاج الآتين إلي البيت الحرام من كل حدب  وصوب، ومن كل فج عميق ؟!. هل كان يمكن لأكثر الناس تفاؤلاً وخيالاً، أن يتوقع للمهاجر الذي إلتفت مودعاً مكة يوم أخرجه أهلها ليقول.. »إنك أحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله الي الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت« !.. هل كان يمكن أن يتوقع أحد لهذا المهاجر الذي شنف له الكفار وتعقبوه، وحاصروه بالسخرية والإهانة والإيذاء، أن يعود إلي  مكة بعد ثماني سنوات ليطهرها من الدنس الذي زرعه الكفار والمشركون بها حتي في البيت العتيق، وأن يملأ الإسلام الذي حمل رسالته جنبات الدنيا وقاراتها الستة، وأن يصل الإسلام إلي صقيع القطبين الشمالي والجنوبي، وأن تبلغ أعداد المسلمين هذه الأرقام الفلكية التي تقترب من المليارين رغم الحصار والهجوم الضاري علي الإسلام والمسلمين؟
 
ماذا تعني هذه المقارنة التي تقرع وجدان وعقل كل من يقارن بين ما كان بأمس، وما صار اليوم.. هل كان يمكن لهذه الدعوة أن تكسر كل حواجز الحصار والقهر والتعذيب والملاحقة والمطاردة والتنكيل والإيذاء وأن تنتشر هذا الانتشار إلا أن تكون دعوة السماء المشمولة برعاية الله عز وجل، التي اصطفت للبلاغ والنهوض بأعباء الرسالة أشرف خلق الله وأحبهم إليه، وخاتم رسله وأنبيائه.. كانت هذه المعاني وغيرها هي التي اجتاحتني من »وحي الحج« وأنا أؤدي مناسكه وأسعي بين الكعبة وعرفات والمزدلفة ومني وشتي المزارات، لتبعث مشاهد الماضي حية نابضة، تريني رأي العين في الحج ـ أن هذا المشهد الرائع الذي يملأ الدنيا ويطاول عنان السماء، هو صدي هذه الدعوة التي حملها المصطفي صلي الله عليه وسلم وأداها وأبلغ بها رسالة ربه عز وجل.

شارك الخبر مع أصدقائك