رجائى عطية

!‬المرايا المعكوسة؟‮!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية 
 
لم يستطع أحد، مهما كان متحيزاً ضد النادي الأهلي أو كارهاً له، أن يماري في شناعة ما ارتكبه حارس مرماه الذي هرب بليل من أكثر من عامين، وفاجأ الجميع بمغادرة البلاد إلي حيث ألقت، بينما كان يتدرب في اليوم السابق مع فريقه، وفي عز الموسم. لم يمار أحد في شناعة هذا التصرف الغير مسبوق في دنيا الرياضة لا في مصر ولا في غيرها من بلدان العالم، وألحق بفعلته الشنعاء أضراراً بالغة بالنادي الأهلي المصري الذي هرب منه بليل، إلي نادٍ أجنبي مغمور في سويسرا.. ومع اتفاق الجميع علي إدانة هذا التصرف المعيب، فإن أحداً لم يصف حارس المرمي الهارب بأنه لص أو محتال، بل ولم يعدم من يلتمسون له الأعذار تبعاً للون الذي يشجعونه، وشرعت أقلام وأبواق تعارض الإيقاف الذي قضت به المحكمة الرياضية الدولية جزاء الفعلة النكراء، محتجة بمصلحة المنتخب القومي ألاّ يحرم من مساهمة اللاعب في صفوفه، فلما انتهت التعلّة، اختلقت أعذار جديدة لتبرير مالا يمكن تبريره، ولم يجد النادي الإسماعيلي ثم نادي الزمالك، لم يجدا بأساً من الإغضاء عمّا فعل وعن الإيقاف، والتعاقد معه علي التوالي، وليبذل كل منهما ما بوسعه للتخلص من الإيقاف أو إرجائه بأي وسيلة.. وطوال مدة تقترب الآن من ثلاثة أعوام لم تُنفذ الغرامة المالية أو الإيقاف المحكوم بهما حكما نهائيا، ولم يحصل النادي الأهلي المصري ـ لاحظ المصري! ـ علي حقه المفتأت عليه، ومع ذلك لم تنفعل الأقلام الملونة، ولم تعلق علي تراخي تنفيذ العقوبة طوال هذه السنوات، ولا وصفت فعلة اللاعب بأنها لصوصية أو نعتته بأنه لص!
 
تذكرت ذلك وأنا أطالع صفحة إحدي صحفنا الخاصة وقد امتلأت عن آخرها بمانشيتات تصف اللاعب المصري عماد متعب ابن النادي الأهلي المصري بأنه لص ومحتال، وتتبني وجهة نظر النادي البلجيكي، وتختار هي الأخري ما تشاء من النعوت الموغلة في السب والقذف، فتنعت اللاعب بأقذع الألفاظ والإهانة، وتتجاوز اللاعب إلي النادي الأهلي المصري ـ لاحظ المصري! ـ فتنسب إليه بلا منطق ولا حجة ولا دليل ـ أنه ساعد اللاعب علي تدمير مستقبله وهيأ له أن يفْصل من الجامعة الخاصة التي يدرس فيها، لا لشيءٍ إلاّ ليحل طلبه للتجنيد فيجد مسوغاً لإنهاء تعاقده مع النادي البلجيكي بطريقة ودية من المفترض أن يرد خلالها ما تقاضاه إن كان قد تقاضي شيئا.
 
توقفت طويلا إزاء هذه المرايا المعكوسة التي لم تجد بأساً في مفارقة لاعب مصري لناديه الأهلي المصري للالتحاق بنادٍ سويسري أجنبي غير مصري، بينما تجد كل البأس علي لاعب مصري آخر بتهمة أنه يريد الرجوع ـ ودياً ـ في اتفاقه مع النادي البلجيكي ليعود إلي ناديه الأهلي المصري. وتوقفت متعجباً من الرغبة المحمومة في نسف اللاعب وتدميره بنعته بأنه لص، مع أنه لا ولم ينازع في حق النادي البلجيكي أو في استعداده لرد الأوضاع إلي ما كانت عليه، فإذا كان عذر التجنيد مفتعلا حسب اتهام الجريدة، فإن التجنيد سوف يحل بالضرورة بعد شهور قليلة حتي وإن لم يفصل اللاعب من الجامعة الخاصة، ومن ثم فإن قصاري ما يمكن نسبته إلي اللاعب أنه غلبه تعلقه بوطنه، ولم يستطع المضي في العيش بعيدا عنه، فآثر أن يعود إلي أحضان بلده. فماذا في هذا ينطوي علي اللصوصية، ولماذا كل هذا الهجوم الشرس ورغبة التدمير لمجرد أن اللاعب يريد ودياً فسخ تعاقد استبان له أنه غير قادر علي الوفاء به، لأنه ببساطة لم يستطيع أن يبقي ببعيد عن وطنه، ولماذا يصير طلب الفسخ وهو تصرف قانوني، لماذا يصير لصوصية ويصير اللاعب لصاً، مع أنه لا ينازع في حقوق النادي البلجيكي، وليس في إمكانه بداهة أن يلزمه بالكف عن المقاضاة بطلب تعويض إن كان له مقتضي!
 
فلماذا إذن ينْعت اللاعب بأنه لص، ولماذا التمادي باختلاق ذرائع وهمية لمهاجمة النادي الأهلي المصري وجره إلي مشكلة ليس طرفا فيا، والتجديف بلا منطق بأنه يعاون اللاعب علي تدمير مستقبله بافتعال فصله من الجامعةالخاصة؟! هل تبرر الانحيازات للأندية هذا التعاكس في الرؤية، فلا تري المرايا المعكوسة هذا التضاد والانحياز البغيض الذي لم يعد يميز بين الوطني والأجنبي، ولا بين الهروب بليلٍ وبين طلب الفسخ الودي في العلن ورد الأوضاع إلي ما كانت عليه.
 
فارق في المسئولية، بين القصد التعمد المنطوي علي هروب خفي ـ في عز الموسم ـ مقرون بالتحلل من الالتزامات والإضرار بنادٍ مصري عاش فيه الحارس الهارب سنوات طوال حقق فيها لنفسه مجداً وثروة، وبين عجزٍ عن تنفيذ عقد مستجد صدق طلب الفسخ مع نفسه حين اتضح له أنه لن يستطيع العيش خارج بلده ومغالبة حنينه إلي وطنه، فأفصح عن رغبته في علانية والتزام بحقوق النادي البلجيكي!
 
من حق النادي البلجيكي أن يغضب، ومن حق الناقد المنصف أن يلوم اللاعب علي عدم تقديره الأمور من البداية تقديراً صحيحاً، ومن الوارد أن يتلقي اللاعب عقوبة علي تعاقده ثم تراجعه وطلبه الفسخ، ولكن ذلك كله لا يبرر وصف اللاعب باللصوصية أو نعته بأنه لص، ولا يبرر التهجم بلا منطق ولا حجة علي النادي الأهلي.. هذا الصرح المصري الذي يبدو أنه الهدف، وأن ألوان الانحيازات البغيضة الراقدة في الأعماق، هي التي دعت إلي هذا التحامل الشديد علي اللاعب، تحاملاً ترك النقد ـ وهو مباح ومقبول ـ إلي الشتم والسب والقذف بأقذع النعوت والأوصاف والألفاظ!!
 

شارك الخبر مع أصدقائك