رجائى عطية

!‬الدين والمال

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائي عطية
 
في كتابه الرائع: »معالم التقريب« يطرح أستاذنا الجليل محمد عبد الله محمد، الفقيه الشاعر الأديب، اتصال الدين بالمال من زاوية استخدامه والانتفاع به، فيري أن ذلك اتصال حتمي ليس منه مفر.. إذ الدين لا تنقطع حاجته لاستخدام المال، ولذلك وغيره كانت الزكاة من أركان الإسلام، وكانت الصدقة من أوكد وسائل التقرب إلي الله سبحانه وتعالي.
 
والتقرب إلي الله بإنفاق المال، يجد طريقه الرئيسي في بر الفقراء والمحتاجين والغارمين، ومن أجل هؤلاء قيل للقادرين ـ بنص الكتاب ـ مَّن ذَا الَّذِي يقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا ؟.. فالدين يحمل علي عاتقه أعباء ومشاكل الفقر والفقراء والضعفاء.. فهو يجبر كسرهم، وينصر عفهم، ويكفكف ويتبني حاجاتهم، ويضعها في صدارة وأولوية وجوه إنفاق المال لله..
 
وحتي حين يجاوز الدين عنفوانه، وحين يعود المال في النفوس إلي مركز الأهمية والتصدر، تري المال حاضراً بمشيئة أصحابه في توجيه صدقاتهم ونذورهم وما يحبسونه من أوقاف وغيرها لعمل الخير.. وكثيراً ما يتوخي هؤلاء تخليد الذكر باستخدام المال في إقامة ما يبقي من الآثار المادية , وقد يضنّون في ذات ا لوقت بإنفاق أموالهم أن تستهلكها أولا بأول حاجة الفقراء، فيفضلون إنفاقها في المساجد الفخمة، وتهيئتها بالفرش الغالي والتحف النفيسة هي وما يلحق بها من المكاتب والمدارس والسبل.. فيخالط تأثير الدين في أذهان وخيال الناس ـ فخامة البناء ومتانة المعمار وروعة الفنون والصناعات الزخرفية والتشكيلية.
 
وقد ألفنا وألف أسلافنا ذلك من عدة قرون، فصار بذل المال للقربي من هذا الطريق ـ وسيلة للتعبير عن التدين، وأيا كان مصدر المال أو وسيلة الحصول عليه وجمعه، وصارت هذه القرب الدينية بابا لاكتساب تقدير عامة الناس وجماعة المتدينين. ومحال علي أهل التقريب وغيره من الدعوات الإسلامية ـ محال عليهم تجاهل هذا الواقع القديم العميق الجذور.. ولكن عليهم محاولة تلطيفه وتخفيفه بمحاولة نقل جانب من اهتمام الناس من هذا القرب الموضوعية إلي المزيد من الاهتمام بتضاريس الناس، وإلي المزيد من رصد الأموال والقدرات لخدمتها والتقرب إلي الله برعايتها ونصرتها.
 
       وربما كان واضحاً أنه لم يعد بالوسع رد المسلمين إلي بساطة الحياة التي كان عليها المسلمون الأوائل إبان عنفوان الدين، فالحق الذي لا يماري فيه إلاّ مكابر ـ أن غالبية المسلمين لم يعودوا قادرين ـ من قرون ـ قدرة آبائهم الأوائل، علي تذوق المعنويات والتنبه إليها والانفعال بها إلاّ في أطار مادي حسي جذاب.. ولم يعد ذلك الأثر الذي كان للمظهر المسكين، ولا صار فيه ما يوحي بالقداسة لمعظم الناس. لذلك انصرفوا ـ كما نلاحظ ـ إلي المبالغة في تزيين المصاحف والمساجد والمزارات والقبور وغيرها من الأماكن العزيزة عليهم أو ذات القداسة عندهم. فقد فتر شيئاً فشيئاً الاهتمام الشديد بالمعنويات وما كان يصاحبها في البدايات من بساطه تامة وازدراء للمظاهر المادية، ثم أخذت حياة الناس تجمع بين الطابعين الروحي والحسي، وظل هذا الجمع مقترناً بالاتزان البعيد عن المبالغة، حتي أوغل بندول التاريخ في الانحراف نحو الحسيات، فتقلص الطابع الروحي، وتغلب الطابع الحسّي، حتي لم يعد معظم الناس قادرين علي تصور وتذوق المعنويات والروحانيات بمعزل عن هذه الإطارات الحسّية التي دخلتها الفخامة والأبّهة!
 
إن الدين ليس وسيلة تحمي المكانة والهيبة للعالين في الأرض، بل هو وكما أراد الله روضة سمحة لبِر الفقراء والضعفاء والمحتاجين، وباحة تأوي حيرتهم وغربتهم، وتمنع ظلمهم، وتكفكف ضعفهم وتعينهم علي بلائهم!
 
وعصرنا علي كثرة ما استحدث فيه، أطلت فيه بقوة مشكلة الفوارق الاجتماعية الضخمة، وشدة وعمق الشعور بانقسام الناس انقساماً حاداً إلي مهمّين وغير مهمّين، وما ينبني علي هذا من تقسيمات فرعية أوجدت ما يشبه الهرم الذي يتسنم قمته أفراد قلائل، منهم تتدرج الأهمية نازلة درجة درجة حتي تبلغ أرض المجتمع حيث تنعدم أهمية الأفراد كأفراد، ويشيع الإحساس بالرخص أمام قوة ومكانة المال!!
 
ولم تفلح النظريات والنظم الحديثة، ولم توفق إلي وسيلة تساعد الإنسان الفرد العادي علي تقبل هذا الشعور المرير بالرخص وعدم الأهمية، إزاء أناس آخرين يراهم ويعرفهم، يتمتعون بالأهمية، وحياتهم ثمينة جداً بعكس حياته المسترخصة!!
 
والإذعان للأمر الواقع لا يمنع الناس من النظر ولا من عقد المقارنة، ولا من عدم الاقتناع وعدم الرضا الذي قد يبلغ في بعض النفوس مبلغاً يدعو إلي الحقد والتطلع للتدمير! وهذه النتيجة الكئيبة تبدو حتمية ليس منها مفر حين تقاس أهمية الإنسان بمقاييس تستند إلي قيم مادية!
 
والله عزّ وجل لا يقبل هذا ولا يرضاه، ولا يقبل الدين أن ينقسم الناس إلي مهمّين وغير مهمّين، لأنهم جميعاً مهمّون في عين الرب تبارك وتعالي.. مهمّون كآحاد وأرواح كل منها طائره في عنقه.. فكل إنسان أياً كانت نظرة الدنيا إليه، وأياً كان مكانه أو مكانته، يستطيع أن يضع يده المسكينة في يد الرب مالك الملك والملكوت، فلا يتركها عزّ وجل إلاّ إذا سحبها صاحبها في ساعة شقوة.
 
إن عين الحق سبحانه وتعالي لا تبالي بالفوارق بين القصر والكوخ، وإنما تري الفوارق في قلوب ساكنيها.. ولا يوجد في القرآن المجيد إلاّ مصدر واحد لأهمية الإنسان في عين نفسه وفي عيون الناس ـ هو التقوي والعمل الصالح والولاء الصادق لله عزّ وجل بلا شريك.
 

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »