رجائى عطية

يوم فارق ومأساة متعددة الآثار (1)

شارك الخبر مع أصدقائك

رجائى عطية:

قبعت مذكرات ونستون تشرشل تعريب خيرى حماد، فى مكتبى قرابة نصف قرن، لم تمتد إليها يدى إلاّ لتعيدها، وأخيرًا عَنَّ لى أن أعكف عليها لأرى حياة هذا السياسى الإنجليزى العتيد، والحياة السياسية فى بلده، وتضاعيف الحرب العالمية الثانية التى صرح فى مقدمته أن مجلدات مذكراته هى تكملة لقصة الحرب العالمية الأولى التى سطرها فى كتبه: «الأزمة العالمية» و «الجبهة الشرقية» و«الثمار». مبديًا أنه حاول فى هذه السلسلة الجديدة، كما حاول فى سابقاتها، أن يتبع قدر ما يستطيع أسلوب دانيال ديفو فى كتابه «يوميات فارس» بحيث يربط بين تاريخ الأحداث ذات الأهمية العسكرية والسياسية القصوى وبين خيط تجاربه الشخصية التى عبرها كفرد، ومبديًا أيضا دون تفاخر أنه لعله الوحيد الذى مر بجائحتى الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهو يتبوأ فى كل منهما منصبا كبيرا مسئولا، ولكن بينما كان ما يشغله فى الحرب الأولى من مراكز مسئولة، كانت مناصب تابعة، لا يمتلك فيها القرار الأول، فإنه صار فى الحرب الثانية، ولمدة خمس سنوات، رئيس حكومة بريطانيا التى يطلق عليها دومًا حكومة «صاحبة الجلالة». ثم يقول إن ما يكتبه لا يزعم أنه تاريخ، فهذا شأن الأجيال القادمة، ولكنه يستطيع أن يدعى فى غير تواضع أن ما يكتبه إسهام فى التاريخ، قد يكون كبير النفع فى المستقبل.

وظنى أن ما كتبه اتفقت أم اختلفت معه كبير النفع فعلا، وظنى بصدق أننى استفدت وانتفعت كثيرا من مذكرات هذا السياسى الداهية، وعرفت لماذا قد تبوأ ما تبوأه، والملكات العديدة التى تمتع بها، فضلا عن الدهاء والصبر والمثابرة، والموضوعية أيضا، والفصل بقدر مستطاعه كإنسان، بين الموضوعى والشخصى، وبين العام والخاص، وعرفت أيضا كيف تسير الحياة السياسية فى تلك البلاد، بلا فهلوة، ولا ادعاء، ولا تخوين، ولا إسفاف، ولماذا من ثم استطاعت رغم محاصرتها بالبحر من جميع النواحى، أن تصير قوية مسموعة فى أوروبا، وقوية مسموعة فى العالم قبل أن تسحب الولايات المتحدة البساط منها فى وقت تآكلت فيه تباعًا أجزاء الإمبراطورية التى لم تكن تغرب عنها الشمس!

ليس فى نيتى، ولا هو متاح، أن أعرض هذه المذكرات، فهى بالغة العراضة والدسامة، ولم أستطع شخصيا أن أمضى فيها دون أن أرجع من وقت لآخر إلى الموسوعات، وظنى أن جوجل والإنترنت ساعدانى كثيرا، لمعرفة الشخصيات التى ترد أسماؤها والوقائع أو الأماكن التى يشير إليها دون شرح، لأنها معروفة فى الغالب للقارئ الغربى أو الأوروبى على التخصيص، فكان استكمال المعلومات لازمًا لأتمتع وقد تمتعت بهذه المذكرات.

وأقتصر فقط فى هذه السطور القليلة، على «يوم فارق» وقعت فيه مأساة أسماها ونستون تشرشل «مأساة ميونيخ»، وهى فى الواقع مأساة متعددة الآثار، على بريطانيا، وعلى ألمانيا، وعلى أوروبا، وتداعيات هذه الآثار كانت مؤثرة فى اندلاع الحرب العالمية الثانية وما خالطها من مآسٍ كابدها العالم.

لقد تتبع ونستون تشرشل فى المذكرات، مقدمات الحرب العالمية الثانية، وما قاد إليها بعد الحرب العالمية الأولى، وتتبع فيما تتبعه صعود نجم «العريف الألمانى» أدولف هتلر، منذ أصيب فى أكتوبر 1918 بالعمى المؤقت، من جراء غاز الخردل، أثناء هجوم بريطانيا خلال الحرب الأولى التى وضعت أوزارها فى نوفمبر 1918، إلى أن صار العريف الفوهرر، الحاكم الأوحد والمستبد الأوحد بألمانيا، ومخططه المتنامى لتسليح ألمانيا وزيادة قوتها العسكرية رغم المعاهدات والالتزامات والقيود الواردة فيها، وتردد وتراجع بريطانيا وفرنسا وغيرهما مما أدى إلى قلب الموازين التى ظن الحلفاء أن معاهدات الحرب الأولى كفيلة بحفظها فى الإطار الذى أرادوه للسيطرة على جموح ألمانيا.

تضاعيف هذه وتلك عديدة فى المذكرات، بيد أن اللقطة التى أردت الوقوف عندها وطرحها هنا، هى ما أسماه تشرشل «مأساة ميونيخ» التى فيها تمت التضحية بتشيكوسلوفاكيا، وانطلاق الدكتاتور الألمانى، مقابل انخذال فرد فى بريطانيا العظمى، أدى استقلاله بما فعل، إلى تخاذل عام أصاب بريطانيا وفرنسا والمعسكر الأوروبى الذى تقفان فيه، وإلى تهيئة الظروف، فى هذه اللحظة الفارقة لانطلاق الدكتاتور النازى الذى تسبب فى الحرب العالمية الثانية.

إن اليوم الفارق سبقته أيام، ولكن تركز المشهد المأساوى فى يوم 1938/9/30.. بدأت المقدمات بغزو واحتلال النمسا، وإفصاح الفوهرر لقادته العسكريين عن نيته مهاجمة تشيكوسلوفاكيا، بيد أن القادة نقلوا إليه مخاوفهم من أن الجيش التشيكى من أحدث الجيوش سلاحًا ومعدات، وأكثرها كفاءة، وتخوفهم من مثل هذه المجازفات. فى الوقت الذى أسفرت تحركات بنيش الرئيس التشيكى، عن إفصاح ستالين زعيم روسيا السوفييتية عن وقوفه إلى جانب تشيكوسلوفاكيا، وتجديد ديلادييه رئيس وزراء فرنسا الجديد، عهد سلفه، وإعلانه أن التزامات فرنسا نحو تشيكوسلوفاكيا «مقدسة ولا يمكن تجاهلها أو التنكر لها».

بيد أنه، وبرغم أن هتلر كان قد أفصح فى 18 يونيو 1938، عن توجهه النهائى بالهجوم على تشيكوسلوفاكيا مطمئنا قادته العسكريين بأنه لن يبدأ العمل إلاّ بعد التأكد بصورة جازمة، فإن اللورد هاليفاكس وزير الخارجية البريطانى بوزارة تشمبرلين (بعد استقالة إيدن من وزارة الخارجية)، أعلن فى مجلس العموم فى 1938/7/26 بأنه «لا يعتقد أن المسئولين فى أية حكومة من حكومات أوروبا اليوم يريدون الحرب حقا».

وبدا أن رئيس الوزراء البريطانى المتبنى سياسة الملاينة طلبا للسلام، لم يقرأ ما يجرى من حوله قراءة جيدة، فقد أعلن فون ريبنتروب وزير خارجية ألمانيا ما تلقاه من سفيره فى إيطاليا أن موسولينى يطلب إبلاغه فى الوقت المناسب بالموعد المحتمل للعمل العسكرى ضد تشيكوسلوفاكيا. وفى 2 سبتمبر 1938 نقل مايسكى السفير السوفييتى فى لندن أن موسكو ردت على استفسار فرنسى «بأن الاتحاد السوفييتى عازم على الوفاء بالتزاماته قبل تشيكوسلوفاكيا، وأنه لا محل للقلق من موقف بولندا ورومانيا إذا كان لعصبة الأمم موقف واضح، ولهذا فإن موسكو تنصح بدعوة العصبة للانعقاد بموجب المادة 11 من الميثاق، لوجود خطر بنشوب حرب، ووجوب أن تعقد فورا اجتماعات بين رؤساء أركان الحرب الروس والفرنسيين والتشيكوسلوفاكيين لدراسة طرق العون ووسائله، مع إجراء مشاورات تستهدف إصدار بلاغ مشترك من فرنسا وروسيا وبريطانيا العظمى، وعلى اعتقاد أن الولايات المتحدة ستؤيد معنويا هذا البيان».

وفى 10 سبتمبر، أعلن بونيه وزير الخارجية الفرنسية، أنه قدم إلى السفير البريطانى فى باريس حينئذ السير إيريك فيبس السؤال التالى: «من المتوقع أن يهاجم هتلر تشيكوسلوفاكيا

غدًا. وإذا هاجمها فإن فرنسا ستعلن التعبئة العسكرية فورًا».. فما هو رد بريطانيا العظمى؟

وفى هذا الرد، بدأ مسلسل اليوم الفارق الذى اكتملت فيه فصول مأساة ميونيخ فى 30 سبتمبر 1938!

(يتبع)

شارك الخبر مع أصدقائك