وما كانت أي وجه ..

شارك الخبر مع أصدقائك

أحمد رضوان:
 
كانت تحمل غريزة الحياة ، وهو يراقبها بعينين خجولتين تتوسطان وجها ضئيلا شاحب اللون ، ولم يعرف أبدا أنها ستتحول الي قلق لا نهائي.

 
وفاؤه تحت أي ظروف ، وحبه الأبدي هما ما يملك تقديمه لها ، لم تهتم بإخفاء رعشة أصابعها وهي تتلقي رسالته الأولي تحت أشجار الجامعة التي اختبأ بين ظلالها من شمس الجنوب ، وقال لها بقوة تتناقض مع نحافته الشديدة .. سأنتظر ردك علي هذه الرسالة في أقرب وقت.
 
كان في عذريته ، وقرر أن يبقي هكذا مالم «يفعله» عن حب ، لكنه لم يدرك ذلك الا مع اقتراب حاجز الأربعين من العمر ، حينما فشل في مجاراة رغبة امرأة ثانية ، وتظاهر أمامها بالورع والعفة حتي لا تشك في أمره ، أو لأنها قد لا تستوعب معني عذرية الرجال.
 
وقتها عاد مسرعا الي منزله الكئيب وقلبه ينبض بوتيرة أسرع وصوت مسموع كاد أن يغطي دقات بندول ساعته الأثرية، الشيء الوحيد الذي ورثه عن عائلته بكامل موتاها ، جلس الي صندوقه الأشبه بالتابوت وبدأ في البحث عن شيء من زمان سحيق ، لا يعرف عما يبحث ، ولكنه علي يقين بأنه سيتذكره بعدما يصل إليه.
 
إنها الرسالة التي أعادتها مع بقايا ذكرياته قبل خمسة عشر عاما ، عندما ودعته قبل ليلة زفافها علي ضابط شرطة صبغ علي عائلتها المتمزقة شيئا من الوقار والارستقراطية المفقودة ، وكانت هذه هي أول لحظة تجنب فيها الواقع كي لا يبكي.
 
سبع وثمانون كلمة هي أول ما كتب لأحد في حياته ، بعد ان تسبب خجله القاتل في إفشال خطط التحدث إليها وجها لوجه ، وما كانت هي أي وجه ، عينان مائلتان للزرقة ، وشفتان انسيابيتان يختبئ بداخلهما لعاب كالشهد ، طالما تمني وانتظر ان يتذوق رشفة منه تعيده للحياة مرة أخري ، وظل كذلك «دون ان يعرف انه سيستبدل فكرة الحب بسلة من المتع بعد حادثة المرأة الثانية بأيام».
 
لم يشعر بنفسه في هذه الليلة وهو يمد يده بعدما قرأ الرسالة ليمسك بنفس القلم الذي كتب كلمات كان لها مفعول السحر علي معشوقته قبل سنين، وبدأ مجددا..
 
(حبيبتي .. لم يبقي منكي سوي الحنين اليكي ، وملامح أي فتاة اراكي فيها..)
 
وقبل أن يكمل رسالته ،انتشي ومدد ظهره علي الأرض وهو يعود بذاكرته مجددا للوراء حينما كانت أكثر شجاعة منه وكشفت «هاتفيا» عن حبها له ، وكيف أصبحت لا تري الدنيا الا عبر عينيه ، وأنها تنتظر يوما تخرج فيه عن سلطة أخوتها لتنثر جسدها في جسده ، وُتبعد عنه الليالي التي مرت قبل أن يلتقيا .. لكنه تذكر أيضا بوجه عابس آخر محادثة بينهما حينما فاجأته بأن حياتها لم تعد تحتمل تشتتا بين متحاربين ، وأن عليها الاستسلام ، وعليه ان يسهل من مهمتها في الانفصال عنه.
 
لم يغف لحظة واحدة في هذه الليلة ، وفرضت قوي النشوي والعبوس سيطرتها عليه مرات ومرات وهو يمر أمامه أدق أدق تفاصيل محبوبته ، كيف كانت تضع يديها المتلألئتين علي شفتيها وهي تتثاءب، ولحظة ولادة أول دمعه رآها علي خدها وقت أن اخبرها بسفره لقضاء شهرا كامل في قريته الجنوبية بعيدا عنها.
 
كانت له واحد صحيح قبل ان يفككه هو بعد هذه الليلة الي خمسين جزءا، فأنهي عذريته بقرار اتخذه وهو يطفئ الشمعة رقم 40 ، وليته يطفئها!!
 
 خمسون جزءا يجمعها ويضربها ويقسمها ويجري عليها العمليات الحسابية كافة، لكن النتيجة دائما أقل منها ، يجعل الخمسين جزءا مائة الي أضعاف كثيرة ، وهي كما هي ، واحد صحيح لا يصل لمساواته مجموع أي أشياء أخري.
 
ولقد برئ من الهوي ومن الجنون ، رغم أنها ما كانت أي وجه ..

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »