ثقافة وفنون

وفي خانات الذكريات… اسمها ثورة يناير

وفي خانات الذكريات... اسمها ثورة يناير

شارك الخبر مع أصدقائك

كتب- علي راشد:

حتى لا تُمحى من الذاكرة، حاولنا نبش الأحلام التائهة في الثورة، لنتذكر معًا كيف كان الفن والإبداع حاضرين في ثمانية عشر يوما تعتبر من أهم الأيام التي تحولت فيها الثقافة المصرية وخرجت من صوامعها إلى الشوارع، وبيد فنانين حقيقيين ينتجون ويبدعون بحرية بعيدا عن بيروقراطية الدولة وشللية وزارة الثقافة، ليخرج لنا جيل مبدع جديد يلتف حوله الجميع، ولكن بمرور الأيام وبعد خمس سنوات من الثورة عادت القبضة من جديد على كل صوت حر لإسكاته بطرق مختلفة، وكأن شيئا لم يكن!

نبتت ثورة 25 يناير وفكرتها من الفن وكانت الأغنية هي الحالة التي تجمع هموم الوطن وأزماته ليرددها الثوار في الميدان، فمن كان بالميدان لا ينسى أغنيات الشيخ إمام التي حفظها عن ظهر قلب من خلال كثرة ترديدها، والهتافات المتنوعة وأغنيات أخرى كان الجميع يسمعها بشكل فردي مثل أغنية “إزاي” لمحمد منير، و”مش باقي مني” لأحمد سعد وغيرها من الأغاني التي شحنت الجميع بطاقة إيجابية عبروا عنها من خلال وجودهم بالميدان، رافضين كل الاتهامات التي وجهت إليهم، مستمرين في مسيرتهم إلى أن وصل أغلبهم إلى حالة من الإحباط… ولكن يبقى الفن وتبقى الذاكرة مملوءة بذكريات الثورة وأحداثها المستمرة.

وستظل أغنية “فلان الفلاني” لمصطفى أمين شاهدة على أحداث وعلاقات الثوار في الميدان حتى لو تحول منهم الكثير عن مسار الثورة أو وصفها بالمؤامرة أو النكسة على الرغم أنه كان سابقا يتباهى بمشاركته فيها، ستظل كلماتها حالة معبرة عن الارتياح لم تشهدها مصر من قبل وربما لن تشهدها مرة أخرى، وتقول الأغنية: “فلان الفلاني اللي كان يومها جمبي.. ساعة لما بدأوا في ضرب الرصاص… فلان الفلاني اللي ما اعرفش اسمه .. فدايما بقول يا ابن عمي وخلاص… فلان اللي سابني بقيت سندوتشه ليلة لما شافني بغني وجعان”.
أغنية فلان الفلاني:


 
 

أحلام على الجدران

هناك حيث الميدان الذي جمع الأطياف المختلفة والأفكار المتنوعة كان كل شيء تلقائيا بسيطا غير مرتب، لم يكن هناك منشورا يوزع بالهتافات ولم تكن هناك حدود للإبداع، كان الجميع يعمل كل في اتجاه ولكنهم يصبون في إناء واحد كفريق ينتج العديد من الإبداعات الفنية والثقافية.

في ركن ما على طرف الميدان حيث شركة “بنها للصناعات الغذائية” كان يجلس عدد من الثوار وأمامهم بعض الأدوات الفنية البسيطة من ورق كارتون وأقلام فلوماستر وريشة وألوان مائية يرسمون من خلالها أحلامهم البسيطة، كانوا بعيدين كل البعد عن الإقصاء فمن يريد الانضمام إليهم ما عليه سوى أن يحضر أدواته ويكمل معهم الأحلام بالرسم أو حتى يستعير بعض أدواتهم، وبالتدريج وخلال ساعات بسيطة يمتلأ المكان باللوحات الفنية المعبرة والرسوم الكاريكاتيرية الساخرة من نظام مبارك والساخرة من الظلم والاستبداد ولا يمر أحد على هذا المكان إلا ويتوقف ليشاهد ما رسموه من صور للشهداء ورسومات متنوعة خرجت من وحي الثورة، لتنتهي تلك المجموعة التي جمعها الميدان وتطلق على نفسها اسم “ائتلاف فناني الثورة”.

في جانب آخر وفي شارع محمد محمود حيث سور الجامعة الأمريكية كانت هناك بعض الأعمال التي ترسم على هذا الجدران الذي واجه العديد من الصعاب ليشهد السور والشارع على أحداث الثورة منذ بدايتها وعلى مدار سنوات لاحقة عليها، فتبدأ رسومات الجرافيتي بصورة لإعدام مبارك مرورا بجملة “اللي كلف ما مامتش” في عهد طنطاوي، ثم رسوم مناهضة للإخوان وصور للشهداء على مدار تلك السنوات سواء شهداء الثورة أو أحداث ماسبيرو أو أحداث محمد محمود – قناصة العيون – أو مجزرة بورسعيد ويستمر الرسم ثم تمحوه الأنظمة …. والآن جزء كبير من هذا السور تم هدمه!.
 

الفن ميدان … رحل لأسباب أمنية!

في الأول من شهر أبريل عام 2011 كانت هناك دعوة على صفحات التواصل الاجتماعي اعتبرها العديد هي الأولى من نوعها في مصر، لأنها عبارة عن مجموعة فعاليات فنية وثقافية في الشارع وبالأخص في ميدان عابدين بوسط القاهرة، إنه مهرجان “الفن ميدان” الذي خرج من رحم الثورة وكان مؤيدا لها بشدة وكان القائمون عليه مجموعة من المثقفين والفنانين ينظمون هذا المهرجان من خلال تبرعات بعضهم البعض ليخرج في شكل لائق.

كان المهرجان شاملا يقدم العديد من الفنون والثقافات من موسيقى ومسرح وعروض أفلام ، بالإضافة إلى معارض الفن التشكيلي والكاريكاتير وكذلك المنتجات اليدوية ومعارض الكتب وورش الأطفال للرسم وغيرها العديد من الفعاليات.

هذا المهرجان خرجت منه العديد من الفرق إلى النور مثل فرقة “الأولة بلدي” و “بهية” بالإضافة إلى عدد من المطربين الذين اشتهروا فيه مثل دينا الوديدي ومريم صالح ونغم صالح وغيرهم ، وكانت هذه الفرق وهؤلاء الفنانين يقدمون فنا مجانيا متاحا للجميع دون الحصول على أجر وكانت من أهم وأكبر المحافل الفنية  في مصر والتي استمرت على مدار أكثر من ثلاث سنوات، لتأتي خاتمة المهرجان في العام قبل الماضي بعد إلغاء المهرجان لأسباب أمنية!، كذلك ألغت فرقة “الأولة بلدي” احتفاليتها في ذكرى الثورة لأسباب أمنية.
 

دينا الوديدي في “الفن ميدان”:


 
 
“اسكندريلا” من البعث للخمول

“هاتلي يا بكرة صفحة جديدة .. حطلي مصر في جملة مفيدة … مصر بتصحى وتسقي الورد … وتصبح على شعب عنيد … تديه شمس في عز البرد … ويغنيلها تقوله عيد … وتبوسه وتقوله تسلم .. يا مرجعلي شبابي احلم “… من أهم الأعمال التي خرجت من قلب ميدان التحرير عبر فريق “اسكندريلا” الذي كان حاضرا بقوة في ميدان التحرير ليكون من أول الفرق التي تغني بالميدان الذي تحولت منصته إلى مسرح مفتوح أمام الجميع ، وكان الفريق حينها يتكون من نخبة من الفنانين أبرزهم حازم شاهين وسامية جاهين وآية محمود حميدة وغيرهم ، وكانت الثورة بمثابة المكان الذي جعل صيتهم أكثر وجودا وعرفهم الناس من خلال الميدان الذي ارتبط اسمهم به.

وأنتجت الفرقة العديد من الأعمال الغنائية الخاصة بمراحل الثورة منذ بدايتها مع الشاعر أمين حداد، ومن الأغاني التي علّمت في المشاعر والقلوب “الليلة ثورة” التي تقول كلماتها “الليلة ثورة وبكرة ثورة وبعده ثورة وننتصر” ، “ده جمب ده” والتي تتحدث عن أجواء الثورة والمشاركين فيها لتقول “هاتوا النقوش اللي فوق الحجر .. هاتوا الحكاوي الغناوي الصور .. هاتوا البنات اللي عرفوا السهر.. هاتوا الولاد اللي عدوا الخطر .. ده جمب ده .. وده جمب ده .. مصر الجملية اللي زي القمر”.

كانت الفرقة تتغذى على الأحداث الجارية بميدان التحرير والشوارع المحيطة به فكانوا دائمين الوجود هناك، ومن أبرز الأغنيات التي حملت مشاعر الأسى أغنية “الحرية من الشهداء” التي قدموها عقب أحداث محمد محمود الأولى وتقول كلماتها :”كان يا مكان شباك مفتوح .. حط عليه عصفور مجروح .. قال أغنية وبعدين طار .. كان يا مكان عصفور تاني .. في المستشفى الميداني .. عايز يرجع للثوار .. ياللي بترمي عليهم نار .. مهما ضربت ومهما قتلت .. العصافير في الهوا أحرار .. دم الشهدا على الأسفلت … يطرح ورد ويطرح نور .. شمع منور ست شهور .. دم الشهدا شمس المغرب .. يا نايم في الليل تتقلب .. ما بينفعش لا نوم ولا صبر.. صوت الشهدا ادان الفجر .. صوت الشهدا يقولك اصحا.. اسماينا في حبات السبحة .. عد صوابعك على اسماينا .. خالد احمد ماجد مينا .. شهدا يغنوا وشهدا يطيروا .. شهدا اعتصموا وشهدا شهود شهدا بيجوا من ماسبيرو ويزورا محمد محمود “.

وفي تلك الفترة كان القنوات التلفيزيونية تتهافت على هذا الفريق لاستضافته وتقديم فقراته الغنائية، وكان من أهم لقاءاتهم في حلقة مع الإعلامي يسري فودة، والآن لا يحل هذا الفريق على أي من البرامج كما تغيب فودة هو الآخر عن الساحة، وبالنسبة للفريق نفسه فتركته سامية جاهين وآية حميدة وكانتا من أهم مطربيه.
أغنية صفحة جديدة :


 

فنانون ما زالوا مؤمنين بيناير

فنانون كثيرون كانوا من المؤيدين للثورة ومن المقتنعين بمبادئها منذ بدايتها، إلا أن الكثير منهم تحول عن مساره، ولكن يبقى عدد منهم ما زال على موقفه مؤيدا ومفتخرا بمشاركته فيها، ومنهم الفنان خالد النبوي الذي كتب على صفحته الشخصية على “تويتر” اليوم “قد يمر ألف عمر ليس به لحظة مما عشناه بميدان التحرير.. كم أنا محظوظ” كما نشر النبوي صورته أثناء مشاركته بالثورة.

كذلك ظل الفنان خالد أبو النجا على موقفه من إيمانه بالثورة وانتقاده للعديد من الأحداث السياسية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي وهو ما جعل العديد من الفنانين والإعلاميين يشنون عليه هجوما ضاريا رافضين انتقاده ، إلا أنه ظل على موقفه ومؤخرا انتقد موقف السيسي ضد المستشار هشام جنينة.

أما الفنان الكبير محمود حميدة فهو من الداعمين للثورة والمؤمنين بها منذ بدايتها هو الآخر ، وأشار في أكثر من لقاء إلى الدور الذي لعبته 25 يناير في الحراك السياسي وأن أهيتمها تتمثل في الشباب الذين شاركوا فيها لاقتناص حقوقهم من دولة العواجيز.

كما أن الفنان عمرو واكد والفنانة بسمة كانا من أبرز الأسماء التي شاركت في الثورة وآمنوا بها وبأهدافها منذ اقتلاعها إلى الآن، وآراؤهم في الثورة جعلتهما يقدمان مسلسل “أهل إسكندرية” في عام 2014 وتم منعه من العرض لأسباب مجهولة إلا أن المسلسل كان يتحدث عن ثورة يناير.
 
 

باسم يوسف من اليوتيوب إلى النفي

من الأشياء التي خرجت من رحم ثورة 25 يناير الإعلامي باسم يوسف ، والذي بدأ بطريقة متواضعة عبر موقع التواصل الاجتماعي “اليوتيوب” من خلال بعض الفيديوهات والحلقات تحت عنوان “باسم يوسف شو” ولاقت تلك الفيديوهات نسبة عالية من المشاهدة وبدأ الضوء يتسلط على باسم الذي تلقفته بعد ذلك القنوات وبدأ مع قناة “on tv  ” ثم “cbc” وفي النهاية كانت قناة “mbc مصر”.

ولاقى باسم هجوما كبيرا عليه منذ أن كان على “اليوتيوب” فكان انتقاده في البداية من جانب الرافضين للثورة ومن أطلقوا على أنفسهم أبناء مبارك، وبعدما تحول انتقاده للمجلس العسكري والإخوان تم انتقاده من الجانبين، وفي النهاية وقبل أن ينتقد النظام تم إلغاء برنامجه ووقفه نهائيا، وفي آخر حوار له مع الإعلامية وفاء الكيلاني في برنامج “المتاهة” ألمح باسم أن هناك من هو أكبر من قناة mbc مصر كان وراء وقف البرنامج لأنه انتقد سياسات النظام، وباسم حاليا خارج البلاد بعد توقف برنامجه!.
  
 
الحلقة الأولى لباسم يوسف:


 
 

رامي عصام يهنئ الشرطة من السويد

“كلنا إيد واحدة … وطلبنا حاجة واحدة … ارحل .. ارحل “، كلمات بسيطة خرجت من رحم الميدان ولم تكن تلك الكلمات من تأليف كبار الشعراء وإنما هي مجرد شعارات وهتافات خرجت من قلوب ثوار 25 يناير بميدان التحرير، تلك الهتافات قام بتلحينها وجمعها آنذاك المطرب الشاب رامي عصام، والذي لقب بـ”مطرب الثورة”.

رامي عصام قدم العديد من الأغاني على مدار مراحل الثورة المختلفة بدءا من 2011 لتجده حاضرا بالميدان مع الجيتار ليلحن الهتافات لتخرج على شكل أغاني بسيطة يرددها حوله الجميع، ومن حين لآخر كان يقدم بعض التغيرات على تلك الأغاني لتناسب المرحلة الموجودة بها، فأغنية “ارحل” التي كان من كلماتها “يسقط يسقط حسني مبارك” أثناء ثورة 25 يناير ، تغيرت تلك الجملة في عهد المجلس العسكري لتكون “يسقط يسقط حكم العسكر” ، بينما تغيرت في عهد الإخوان لتكون “يسقط يسقط حكم المرشد”.

“طاطي راسك” من الأغاني التي تناول فيها رامي فكرة المحسوبية والواسطة الموجودة في عهد نظام مبارك كما تحدثت عن الطائفية والفقر والعديد من الأزمات الاجتماعية وذلك كله بطريقة ساخرة من الديمقراطية الزائفة، أما أغنية “اضحكي يا ثورة” فكانت ترصد العديد من الاتهامات التي تم توجيهها للثوار خلال الثمانية عشر يوما بميدان التحرير مثل شائعات أن الموجودين هم قلة مندسة ومتآمرين يتقاضون 200 يورو ووجبة كنتاكي ليتواجدوا بالميدان، كما كانت أغنية “الجحش والحمار” تتحدث عن التوريث في ظل غياب الوعي لدى الشعب.

رامي عصام لاقى العديد من الاتهامات هو الآخر وتم تعذيبه أثناء حكم الإخوان وبعد العديد من الأزمات التي واجهها سافر رامي فجأة إلى السويد لتخرج الشائعات حول لجوئه سياسيا هناك ثم نفى ذلك بأنه في منحة دراسية وأنه فور الانتهاء منها سيعود لمصر.

وأثناء وجوده بالخارج وأثناء الحوارات الدائرة حول ما إذا كان 25 يناير عيد الشرطة أم عيد الثورة قدم رامي أمس أغنية جديدة بعنوان “أبو دبورة وشورت وكاب” يتحدث فيها عن الثورة وأن 25 يناير هو عيد الثورة ، وكان رامي قد قدم من قبل أغنية “يا ابو دبورة ونسر وكاب” .
 
للاستماع إلى الأغنية:

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »