وطن‮ »‬الغربة‮«.. ‬وغربة الوطن‮!!‬

شارك الخبر مع أصدقائك

محمود گامل

كثير من المصريين يحسون بالغربة داخل الوطن، وكثير من الذين هاجروا يحسون في الغربة بالوطن، فالوطن ـ رغم الإجماع علي أنه الأرض التي ولدنا عليها ـ لم يعد كذلك هذه الأيام، حيث تغير كل شيء في الوطن بفعل فاعل، وذلك الفاعل الذي تشير كل الأصابع اليه، لم يفكر مرة واحدة في الهجرة ليريحنا منه، بل هو متمسك بالبقاء طامعا في أن يهاجر الجميع تاركين له الوطن ليعلق علي مداخله لافتة هائلة عليها عبارة واحدة: للإيجار مفروش، أو للإيجار بالجدك مع أن الأرض التي تبقت بعد مشوار الخصخصة هي أرض خالية من العمار، ذلك أن التعمير والعمار »فعل إنساني«، يتم بالبناء وسكن البشر الذين يقال إن أنفاسهم في السكن هي التي تحمي السكن من أن تتشقق جدرانه قبل ان ينهار مثلما هو الأمر في المساكن مغلقة الأبواب التي لم يسكنها أحد!
 
والغريب في الوطن المصري هو أن أغلب مهاجريه من البشر الذين يحتاج اليهم هذا الوطن كقوة علمية وثقافية وحضارية تعطي ولا تأخذ، وهي القوي التي تعرضت طويلا ـ بسبب أهل الثقة ـ الي الكثير من المطاردة بتهمة الدعوة الي التغيير، وانقاذ »وطن أمة عظيمة« من أن ينهار ويتحول الي »خرابة« لا يسكنها  غير الخفافيش والسحالي وثعابين الكوبرا الذين ترتدي بعضهم هذه الأيام ثياب رجال الأعمال بالسيجار الضخم الذي يمكن به فض المظاهرات وموديلات سيارات يتعدي جمرك الواحدة منها ما يزيد علي المليون جنيه ـ اذا كانوا يدفعون مثلنا جمارك علي »اللقمة التي نطفحها« ـ وهي السيارات التي يلعب بها عيالهم في الشوارع ليثيروا بها رعب المشاة والسائقين لينضموا في منظومة رعب الشوارع المصرية الي الميكروباص والـ»توك توك« وموتوسيكلات توصيل الطلبات الي المنازل بداية بالـ»بيتزا«، وأحدثها »صياعة« ابن أحد رجال الأعمال المشاهير الذي جمع أصحابه للاعتداء علي ضابط شرطة سابق أمام منزله قبل أن يطير »رئيس عصابة العيال« الي إسبانيا بعد ساعتين بطائرة »بابا« الخاصة، وذلك قبل أن ينتهي التحقيق مع المعتدي عليه!
 
وتعود مشكلة المصريين الذين بقوا في مصر الي »ضيق ذات اليد«، ثم »رخامة« وقلة ذوق القنصليات الأجنبية في منح تأشيرات الدخول بعد مصادرة رسوم التأشيرة في حالة عدم منحها، وهي »عملية نصب« لا تتم علي غير المصريين في ظل وزارة للخارجية تتصور أنها مسئولة عن رفاهية السفارات الأجنبية وتدبير نفقاتها من »قفا« المصريين الغلابة الذين تخشي الوزارة من أن خروجهم من مصر يعني عدم العودة حتي لو ماتوا جوعا في الخارج هربا من »أزهي العصور« التي تتصور الخارجية أنها نعمة لا يستحقها المصريون، مع أن المصريين جميعا يدعون الله ليل نهار بأن تزول هذه النعمة، وهم في انتظار الاستجابة!
 
ومن ضمن الاحساس بالغربة في الوطن أن أحدا لا يستجيب، ليبدو الأمر وكأن هذا الوطن قد أصبح صحراء جرداء يحكمه رؤساء للقبائل مشغولون عن »السكان البدو« بتربية الأغنام والمعيز بحكم وضع اليد، وهو ما يدفع هؤلاء السكان الي دائرة »البدو الرحل« الذين اغلقت أمامهم كل الأبواب فلم يعد أمامهم سوي الحياة تحت أشعة الشمس الحارقة، ذلك أن ظلال كل الأشجار قد تم إشغالها بالحواريين، والأصفياء خاصة طبقة رجال الأعمال الذين حتي ـ بحكم الثراء ـ لم يعودوا يخضعون لشيخ القبيلة الذي ضعفت قبضته الحاكمة علي تلك الصحراء مترامية الأطراف التي تاه فيها الجميع بحثا عن المياه والكلأ الذي هو حق لكل الناس طبقا لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم إن الناس شركاء في ثلاثة: الماء والنار.. والكلأ، الذي هو المراعي!
 
والغريب في الأمر أن كل الذين يملكون السلطة في القبيلة يقاومون بشراسة »موجة الضرورة« التي هي الرغبة العارمة في التغيير طلبا لنسمة هواء يستطيع بها البدو الرحل أن يتنفسوا بعد أن كادوا »يفطسون« بسبب العوادم السامة الخارجة من منافذ الخيام الفاخرة لسنين طالت زيادة عن اللزوم!!
 

شارك الخبر مع أصدقائك