شريف عطية

واشنطن وموسكو.. الجلوس فوق كرسيّين

شارك الخبر مع أصدقائك

:  شريف عطية
 
فيما شعوب  منطقة الشرق الأوسط وحكوماتها.. مشدوهة بتلاحق النزف الدامي  الذي يهددها بالتفّسخ، وتفتيت أوطانها.. يغيب عنها في ضوء هذا الانشغال.. متابعة كيف تتطور العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، وما الذي سوف يحمله لهما المستقبل  وللمنطقة والعالم بعد  مارس  ونوفمبر 2008.. موعد إجراء الانتخابات الرئاسية لكلتيهما.. ومع أن عملية اختيار الرئيس الأمريكي قد تبدو روتينية  ومستقرة لطول ما اعتاد ا لأمريكيون مباشرتها مع نحو مائة وخمسين رئيسا لبلادهم، إلا أن انتخابات نوفمبر 2008.. ربما تكون مختلفة عن سابقاتها.. إذ ستتواجه خلالها «أدبيات وفلسفة  المحافظين الجدد» التي ترعرعت في صفوف الحزب الجمهوري  منذ «ريجان» ولتصبح دستورا لسياسة واشنطن  الخارجية في السنوات الثماني الأخيرة.. أمام تيار «الواقعيين الجدد» الذي بصدد التشكل ضمن الحزب الديمقراطي.. تحت شعار «من أجل واقعية  جديدة»، وحيث قد تحدد هذه المواجهة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتجه إلي المزيد من التورط في شؤؤن العالم بغية الانفراد بالهيمنة علي مقدراته أم أنها سوف تتفادي «مخاطر الامبراطورية»  من خلال تبني خط سياسي واقعي جديد ومركز.. يقدم نفسه كبديل راديكالي عن خطاب «المحافظين الجدد» متمثلا- كما يقول أنصار هذا التيار- بكلمات جون آدامز   عقب الاستقلال.. عن حرية واستقلال الآخرين.. «أمريكا ليست بطلة إلا نفسها».

 
أما فيما يتصل بالعملية الانتخابية القادمة للرئيس الروسي في مارس 2008، فإنها أكثر تعقيدا عن نظيرتها الأمريكية، حيث لم يباشر الروس علي طول تاريخهم.. الاقتراع الشعبي المباشر لاختيار رئيسهم إلا منذ خمسة عشر عاما.. علي أساس دستور جديد حدد  مدة ولاية الرئيس بفترتين رئاسيتين كل منهما 4 سنوات، ومع أن في الإمكان- نظرا للأغلبية البرلمانية لحزب بوتين- إجراء تعديل دستوري يتيح للرئيس البقاء في الحكم لأكثر من ولايتين، إلا أن هذا الاعتساف الدستوري ليس بالسهولة التي يراها الناصحون به.. لأمرين مهمين، أولهما داخلي.. يمس عملية الاصلاح السياسي الروسية نفسها.. إذ قد يتسبب هذا التعديل بإطلاق مدة حكم الرئيس، إلي إضعاف مصداقية الدستور الروسي، إذ عندما يُزال مدماك دستوري واحد.. فسوف يصبح البناء الدستوري برمته- بحسب المتخصصين- مهزوزا، أما الأمر الثاني فهو خارجي.. إذ يرتبط انفتاح روسيا- في نظر الغرب- بمدي التزامها بالنهج الليبرالي، بصرف النظر عن اتجاهها التصادمي من  عدمه مع الغرب أو حتي تحالفها من عدمه مع الصين ودول الجوار الجغرافي.. إذ أن عودة روسيا إلي الديكتاتورية.. خط أحمر قد يهدد علاقات الغرب مع الكرملين في الصميم، هذا في الوقت الذي يري فيه  أنصار «بوتين».. عدم الاقتراب من الدستور طالما أن في مقدور فريق النخبة  الحاكمة تحقيق أهدافها التي تفوق الدستور أهمية من وجهة نظرها، أي إبقاء الدستور علي ما هو عليه.. علي أن يمارس «بوتين» دورا ونفوذا من خلال رئاسته حزب «روسيا الموحدة»، وفي ظل المشاركة للأغلبية الحزبية القائمة مع البرلمان ورئاسة الوزارة.. ما من شأنه الإبقاء علي سيطرة «بوتين» خصما من رصيد الرئيس الجديد وصلاحياته.. ربما علي غرار ما كان إبان  حكم «الترويكا» السوفيتية.. حيث كان لسكرتير عام  الحزب.. اليد الطولي علي كافة مؤسسات الدولة، مما سوف يتيح  استمرار سياسات بوتين.. وانتظام إيقاعها نحو تواصل الصعود بروسيا ثانية إلي مركز الدائرة من تفاعلات النظام الدولي.

 
إن التحول المتوقع  علي الساحتين  الأمريكية والروسية اعتبارا من عام 2008.. لن يقتصر عليهما فحسب، بل سيمتد بطبيعة الحال إلي سائر فعاليات النظام الدولي الذي يجتاز حاليا منعطفا قد يؤسس  لمرحلة جديدة من العلاقات الدولية.. بدأت ملامحها في الظهور إذ يكاد استخدام واشنطن للقوة العسكرية أن يصل إلي سقفه الأعلي دوما ينبيء بغير الفشل، وإذ يكاد صبر موسكو أن ينفد، لكون اعتبارها – بحسب تعبير بوتين في 29 مايو الجاري- «مجرد  وحش انطلق لتوه من الغابات بينما (الأمريكيون) شركاء أنقياء»، ولتطلق موسكو في الوقت ذاته صاروخا استراتيجيا  عابرا للقارات وقادرا علي اختراق الدروع الصاروخية الأمريكية التي تزمع واشنطن نشرها في دول أوروبية علي الحدود مع روسيا، وإذ  ثبت مبالغة الولايات المتحدة في الترويج منذ عام 2001 لحرب عالمية محتملة تحت دعوي مكافحة الارهاب الدولي، وما إلي ذلك من تحولات دامغة قد تؤدي- إن لم يتم تداركها-  إلي انفجارات إقليمية ودولية، وإلي العودة مرة أخري إلي أجواء الحرب الباردة.

 
إزاء ما سبق من سياق، من المأمول  أن تنتهج واشنطن مستقبلا خطابا سياسيا -تفاديا للعزلة  وانعكاساتها السلبية علي المصالح العليا الأمريكية- يمزج  ما بين خطاب «الواقعيين الجدد»  داخل الحزب الديمقراطي وبين خطاب «الواقعيين» من داخل المحافظين الجدد بالحزب الجمهوري- وهم الرافضون في السابق للتدخل العسكري في العراق، حيث يتقلص حينئذ الخلاف الفلسفي بين الطرفين.. إذ تفترض «الواقعية» مرونة أكبر من النسق المغلق للفكر «المحافظ الجديد».
 
أما بالنسبة لموسكو فمن المأمول افتراض وجود رؤية وقدرة للقيادة الروسية.. علي النظر إلي المستقبل.. إذ  أن الغاية من الحصول علي السلطة  هي نقلها للآخرين.. وإلا فإنها  لن تكون قيادة، بل جشعا للسلطة،  وقد  حان الوقت -ربما- للتخلص  بهدوء من ظاهرة «حكم الفرد» في روسيا -القيصرية أو السوفيتية علي السواء- بصفته  رمزا من  رموز الماضي، فإذا امتلك «بوتين» أو أي زعيم روسي بعد  2012-2008  الشجاعة لحل هذه الاشكالية فإنه سيدخل التاريخ باعتباره الزعيم الذي حول روسيا، وإن كان من المشكوك فيه بالنسبة لروسيا أو لأي رئيس ديكتاتوري في دولة أخري.. أن يؤسس الديمقراطية «من أعلي»، أو أن يتخلي عن السلطة إلي المؤسسات في المجتمع.. التي تبدو في روسيا -وفيمن علي غرارها- في نوم عميق.

شارك الخبر مع أصدقائك