هل يمگن إعادة تقييم أسعار الصرف؟

شارك الخبر مع أصدقائك

يحي المصري 
 
عدم التقييم السليم لسعر صرف العملات المحلية في دول العالم المختلفة كان من أهم الأسباب التي أدت إلي فشل النظام النقدي العالمي السابق خلال فترة ما بين الحربين العالميتين الأخيرتين والذي كان يقوم علي »قاعدة الذهب«، بل لا أكون مبالغا إذا قلت إن ذلك أيضاً كان أحد أسباب قيام الحربين العالميتين الأخيرتين، لأنها كانت تؤدي إلي استفادة دول علي حساب دول أخري دون مقابل اقتصادي عادل، وهو ما كان يؤثر في اقتصادات بعض الدول سلباً ويؤدي إلي فقر شعوب.
 
إن سعر الصرف »EXCHANGE RATE « هو نسبة التبادل بين الوحدة النقدية المحلية والوحدة النقدية الأجنبية، وبمعني آخر فإنه يمثل قيمة العملة المحلية مقومة بالعملات النقدية الأجنبية، وكان تحديده يختلف طبقا للأنظمة النقدية المختلفة التي شهدها العالم في العصور السابقة، فتحديده تحت نظام قاعدة الذهب حيث كان يتم بقيمة ثابتة لا تتغير مع حرية تصديره واستيراده، يختلف عن تحديده تحت نظام قاعدة العملات الورقية، حيث كان يتم تغيير السعر بين فترة وأخري ويتوقف علي عرض العملات الأجنبية وطلبها في السوق المحلية والأسواق الدولية.
 
أما في النظام النقدي العالمي الحالي الذي يسري منذ عام 1945 في ضوء ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر »بريتون وودز« فإن اتفاقية صندوق النقد الدولي التي أبرمت بموجب هذا المؤتمر طالبت كل الدول الأعضاء »عددهم حاليا وصل إلي 187 دولة« بالعمل علي تحسين الاستقرار في أسعار الصرف والمحافظة علي نظم الصرف السليمة التي تساعد علي وضع نظام متعدد الأطراف للمعاملات الجارية التي تتم بينها، وقام كل عضو حينئذ بتحديد سعر تعادل لعملته بالاتفاق مع الصندوق علي أساس الذهب كمقياس عام أو علي أساس الدولار الأمريكي بوزنه وعياره أول يوليو 1944 والذي كان يعادل في قوته الذهب، وقد سمح الصندوق لكل عضو بأن يقوم بتعديل قيمة عملته بموافقته وبموجب شروط معينة تم الاتفاق عليها.
 
وفي ضوء ذلك قام كل عضو بتحديد سعر صرف محدد لعملته بالاتفاق مع الصندوق، وأخذ في الاعتبار العلاقة السليمة بين العملة المحلية للعضو والعملات الأجنبية الأخري وبحيث لا تكون هناك زيادة أو نقص عن القيمة الفعلية لهذه العلاقة، لأنها تؤدي إلي نقص أو زيادة في أسعار السلع والخدمات التي يصدرها العضو أو يستوردها، وهو ما يؤدي أيضا إلي خلل في النتائج النهائية التي تظهر في ميزان المدفوعات والميزان التجاري للدولة.
 
وفي الخمسين سنة الأخيرة تم إدخال بعض التعديلات علي طرق تحديد أسعار الصرف سواء محليا بالنسبة لكل دولة، أو بالنسبة للقواعد الرئيسية التي تحكم تحديد السعر علي المستوي العالمي، ويدخل فيها قواعد صندوق النقد الدولي التي تراعي مدي ملاءمة التعديلات مع الأوضاع الاقتصادية في كل دولة، وكذلك مع الأوضاع الاقتصادية الإقليمية والدولية، وقد بدأت هذه التعديلات في 19 ديسمبر عام 1971 عندما أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية تخفيض قيمة عملتها بحوالي %7.9 أي رفع قيمة الذهب بالنسبة للدولار الأمريكي بنسبة %8.57، حيث ارتفعت الأوقية من الذهب الخالص من 35 دولاراً إلي 38 دولاراً أمريكياً.
 
وقد أدي هذا التعديل إلي تغيرات جوهرية في أنظمة تحديد سعر الصرف التي ظلت تتغير بين دولة وأخري طوال الخمسين سنة الأخيرة، ووصلت حاليا إلي وجود نظامين اثنين فقط، الأول هو ترك العملة المحلية تتحدد بحرية بالنسبة للعملات الأجنبية حسب العرض والطلب المحلي والدولي عليها، ويضم هذا النظام كل عملات الدول المتقدمة وفي مقدمتها الدولار الأمريكي والجنيه الاسترليني واليورو الأوروبي والين الياباني، وهو السعر الذي لا تتدخل فيه الدولة إلا في ظروف معينة ولغرض مؤقت.
 
أما النظام الآخر فهو الذي تتدخل الدولة بموجبه في تحديد سعر الصرف وربطه بعملة رئيسية أهمها حالياً الدولار الأمريكي، حيث ترتبط فيه العملة المحلية بوحدات محددة بالدولار الأمريكي أو بوحدات من حقوق السحب الخاصة أو بأي وحدات في سلة أخري من العملات الأجنبية تحددها الدولة، وبالتالي فإن تحديد سعر العملة المحلية يتم بموجب هذا النظام تحت مراقبة الدولة ويتغير حسب تغيرات العملة الرئيسية التي يرتبط بها، فإذا تزايد سعر العملة المرتبط بها فإن سعر العملة المحلية يتزايد تلقائيا، والعكس صحيح، ولا تملك الدولة تعديل سعر عملتها المحلية إلا إذا قامت بتعديل قيمة وحدات الربط الأصلي بالعملة الرئيسية، وفي ظل هذا النظام خسرت دول عديدة ملايين بل مليارات بالدولار الأمريكي بعد الانخفاض المتتالي في السنوات الأخيرة، حيث انخفض بأكثر من نصف القيمة.
 
ومن الغريب أن هناك بعض الدول التي لم تهتم بالخسارة الكبيرة التي أصابتها نتيجة الانخفاض المتتالي للدولار الأمريكي الذي ربطت عملتها المحلية به، حيث رأت أن الانخفاض في قيمة الدولار والذي ترتب عليه انخفاض تلقائي في عملتها المحلية، ساعدها علي زيادة صادراتها، لأنه أدي إلي انخفاض في أسعار هذه الصادرات وارتفاع في أسعار الواردات، وبذلك استطاعت معالجة العجز في الميزان التجاري وتحقيق فائض كبير في ميزان المدفوعات وبالتالي فإن هذه الدول يتعين عليها أن تعيد النظر في سعر صرف عملتها المحلية.
 
ولقد كانت الصين في مقدمة الدول التي استفادت من انخفاض الدولار الأمريكي، لأن انخفاض اليوان الصيني نتيجة انخفاض الدولار الذي ترتبط به في السعر، ساعد علي زيادة الصادرات الصينية لكل دول العالم، وقد أصبحت السلع الصينية تغطي اليوم جميع أسواق العالم وبسعر أقل من المنتجات المحلية والمنتجات المستوردة من دول أخري لم تواجه هذا الوضع في سعر صرف عملاتها المحلية، وفي الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي كانت المصيبة أكبر، حيث وصلت السلع الصينية كالسيارات علي سبيل المثال إلي أسعار تقل كثيرا عن مثيلتها من السيارات المنتجة محليا، علما بأنها أصبحت تتفق معها في الجودة، لأن الصين تستعين بمستثمرين وخبراء أجانب أكفاء من المصانع التي تنتج هذه السيارات داخل بلادها وتمنحهم الحوافز المطلوبة لتشجيعهم علي إنتاج سيارات جيدة.
 
لقد أدي هذا الوضع الشائك في الولايات المتحدة الأمريكية إلي زيادة البطالة في الوقت الذي تبذل فيه جهودا كبيرة لتخفيضها ضمن برامج معالجة الأزمة المالية العالمية، وبذلك أصبح تخفيض سعر صرف اليوان أمرا حيويا بالنسبة لاقتصادات الولايات المتحدة الأمريكية، بل وللاتحاد الأوروبي، الأمر الذي اقتضي تدخل صندوق النقد الدولي ولجنة السياسات المالية والنقدية التابعة له ومجموعة العشرين، وذلك للمطالبة بالبحث عن حلول سريعة وإيجاد طرق جديدة لتقييم أسعار صرف العملات، سواء تلك التي تم تحريرها أو التي ترتبط بسلة من عملات رئيسية.
 
ولقد وافق مجلس النواب الأمريكي في الشهر الماضي علي تشريع جديد يقضي بالتشديد مع الصين لرفع قيمة عملتها، وذلك لحماية الوظائف في المصانع التي تغلق، مع تطبيق رسوم علي الواردات من الدول ذات العملات المقومة بأقل من قيمتها بصورة جوهرية، وبالتالي ستقوم الولايات المتحدة الأمريكية، في اجتماع قمة العشرين المقبلة بضغط كبير علي الصين للسماح بارتفاع قيمة اليوان الصيني، ولا يعلم أحد إلي أي مدي ستصل هذه الضغوط.
 
أقول لقد أصبح النظام النقدي العالمي الذي يقوم علي حرية التحويل وثبات أسعار الصرف، معرضا للانهيار وإحلال نظام آخر يكون للدول النامية فيه وضع أفضل في صناعة القرار النقدي، لكي يراعي التغيرات الجديدة التي طرأت علي العالم في مسيرته الاقتصادية، وفي التعايش السلمي العادل بين الفقراء والأغنياء.
 

شارك الخبر مع أصدقائك