هل يصنع الاقتصاد السياسة؟

شارك الخبر مع أصدقائك

د. عمار على حسن :

تعتبر الديمقراطية في قيمها الأصلية وإجراءاتها المحددة محكا لاختبار مدي تأثير الاقتصاد علي السياسة، بل تتعدي ذلك في بعض المجتمعات لتصل إلي النقطة التي يمكن عندها الإجابة عن تساؤل مفاده: هل يصنع الاقتصاد السياسة؟ وهل هو الذي يسير دفتها ويحدد أهدافها؟ وهذا لا يعني بالطبع التسليم بأن الاقتصاد فقط هو العنصر الفعال في تركيبة الحياة السياسية ـ الاجتماعية، لكن القول بأنه العنصر الأكثر أهمية لا يجافي الحقيقة ولا يقفز علي الواقع. وعلاقة الاقتصاد بالديمقراطية تبدأ من المنشأ وتنتهي عند صناعة واتخاذ القرارات داخل المجتمع، مرورا بتوزيع الأدوار والأنصبة أو الأوزان السياسية بين القوي التي تزاحم أو تتنافس أو تتكتل في سبيل أن تجد لها موقعا علي خريطة صنع القرار.
 
فمن حيث المنشأ، فإن هناك من يعيد الديمقراطية إلي جذورها الرأسمالية، باعتبار أن الليبرالية السياسية والليبرالية الاقتصادية متلازمتان، إن لم يكن في لحظة الانطلاق فعلي الأقل في اللحظة الراهنة. وهذا الربط التقليدي بين الاثنتين يستند إلي برهان تاريخي، ينزع إلي المركزية الأوروبية، وهو يقوم علي أن الديمقراطية نشأت في المجتمع الأوروبي إثر انهيار الإقطاع وميلاد طبقة تجارية جديدة قادت العمل الاقتصادي، ونحتت لها أدوارا سياسية من أجل خدمة مصالحها. فاقتصاد السوق أوجد نمطا من العلاقات الاقتصادية الجديدة، أنتجت بدورها شكلا مختلفا من المجتمعات الإنسانية،  يقوم علي التنافس والتعدد وتوافق المصالح، الأمر الذي تمت ترجمته في الديمقراطية كنظام سياسي.
 
وهناك مثال واحد، لكنه معبر إلي أقصي حد عن هذا الارتباط التاريخي، فنشأة البرلمان في إنجلترا تكاد تكون مرتبطة بتطبيق مبدأ لا ضريبة دون تمثيل نيابي، التي تعني أن الملك ليس من حقه أن يفرض ضرائب جديدة دون موافقة ممثلي دافعي الضرائب، وهم نواب البرلمان. ومعني هذا أن دافع الضريبة، التي تعد تعبيرا عن أحد مظاهر تدخل الدولة في إدارة الاقتصاد، يوظف الديمقراطية السياسية في خدمة مصلحة اقتصادية، خاصة أن هذه الحقبة لم تكن تعرف كلمة مواطن Citizen التي تقوم عليها الديمقراطية الحديثة، بل كانت الكلمة التقليدية ذائعة الصيت في هذا الوقت هي دافع الضرائب، الذي كان بمثابة المادة الخام للنظام الديمقراطي الوليد. لكن من المعروف أن وجود ارتباط بين الرأسمالية والديمقراطية لم تستقر أركانه أو يتمتع بشرعية اجتماعية ملموسة خلال الثورة الصناعية في أوروبا. ففي الولايات المتحدة وهولندا فقط كان هناك شكل من أشكال الديمقراطية التمثيلية ذات الوظائف القائمة علي أساس قاعدة رأسمالية تجارية وليست صناعية.
 
ويصل الأمر بالباحث الأمريكي الكبير آلان تورين في تناوله ارتباط الديمقراطية بالتحرر الاقتصادي إلي القول بأن »اقتصاد السوق والديمقراطية السياسية وجهان لعملة واحدة، لأنهما يشتركان في الحد من السلطة المطلقة للدولة« وليس معني ذلك أن هناك انسجاما كاملا بين الاثنين لكن يوجد علي الأقل اتفاق واضح المعالم حول مصالح مشتركة، فالديمقراطية ورأسمالية السوق »تشبهان شخصين مرتبطين في زواج عاصف يمزقه التنازع ولكنه يستمر لأن كلا من الطرفين لا يرغب في الانفصال عن الآخر«، حسب تعبير الباحث الأمريكي المهتم بقضايا الديمقراطية روبرت دال.
 
ويبني دال حجته هذه علي أن كلا من الديمقراطية واقتصاد السوق في حاجة إلي بعضهما البعض، فالأسواق الحرة لا تريد أن تخضع لتنظيم صارم، وترفض أي إجراءات تحد من انتقال العمالة ورأس المال، ولا تقبل وصايا تمنع المستهلكين من أن يختاروا السلع التي يرغبون في شرائها، أو عقبات تحول دون وصول الموارد الأساسية إلي المصانع، أو  تدخل يحد من حرية التنافس بين المنتجين، والديمقراطية السياسية تلبي جميع هذه الاحتياجات. في المقابل هناك من يري أن اقتصاد السوق يساعد أكثر من غيره علي تحقيق التنمية التي تتم ترجمتها في تعزيز التعليم وزيادة درجة الاتصال الاجتماعي وسهولة  تبادل المعلومات، الأمر الذي يزيد من درجة الوعي السياسي والاجتماعي لدي المواطنين بكل حقوقهم، ومن ثم يتمسكون بالديمقراطية، إذا كانت متواجدة، وينادون بها إذا كانت غائبة. وهذه المنفعة المتبادلة جعلت دال يقول إن الدول التي تديرها حكومات ديمقراطية تتجه إلي أن تكون أكثر رخاء من الدول التي تقودها حكومات مستبدة، وإن خبرة القرن التاسع عشر تبين أن الأولي كانت ثرية، والثانية كانت فقيرة في الغالب الأعم. وقد تكرست هذه الصورة في النصف الثاني من القرن العشرين، بشكل يشد الانتباه.
 
وقد دفع هذا الوضع كثيرا من الباحثين إلي التساؤل عما بين الديمقراطية والتنمية الاقتصادية من ارتباط. فتورين يري أن »الديمقراطية والتنمية تسميتان لمسمي واحد«، ثم يعود ويوضح أن »التنمية ليست سبب الديمقراطية إنما هي نتيجة لها«. لكن محاولة دمج المفهومين أو توحيدهما لم تلق قبولا عاما، بل انقسمت الآراء حولها، لدرجة اعتبار البعض أن هناك علاقة تنافر وتضارب بين الديمقراطية والتنمية، لأسباب اقتصادية وسياسية.. وهو ما سنوضح جوانبه، ونجلي بعض غموضه، في مقال قادم »إن شاء الله تعالي«.

شارك الخبر مع أصدقائك