ماهر أبو الفضل

ماهر أبو الفضل يكتب: هل نحن أسوياء؟

شارك الخبر مع أصدقائك

جلس خالد فى مقعده المُفضل خلف سائق الأتوبيس، دقائق وامتلأ عن أخره، فى المقعد المجاور شيخ طاعن فى السن يقرأ القرآن بصوت جهورى وخلفه شاب فى عقده الثالث إسمه “بهاء” يقرأ كتابًا معنون بـ«جينالوجيا الأخلاق»- أى أصل الأخلاق وفصلها- للفيلسوف الألمانى «فريدريك نيتشه».

بجانبه رجل أربعينى يصلى فى «الأجبية»- كلمة قبطية تعنى كتاب الساعات وتحتوى على سبع صلوات- وفى الخلفية صوت الكمسرى ينادى «اللى طِلع يبعت التذكرة يا حضرات».

«انا دفعت يا عم» هكذا رد فتى كان صاعدًا لتوه.

شاب أخر يقف بجواره قابضًا على مسند حديدى إنفعل على الفتى وقال له «كفى كذبًا انت لم تدفع ثمن التذكرة»، تبادلا السباب، لحظات وتوقف الشيخ عن قراءة القرآن وصرخ فيهما «إنتو مش متربيين مفيش إحترام للقرآن يا… منك له».

رد عليه الفتى «خليك فى حالك يا عم الحج هو القرآن اللى بتقرأه بيقولك سِب الناس؟».

توقف الأتوبيس فى إحدى المحطات وصعدت سيدة فى عقدها الثالث ترتدى ثيابًا فاخرًة، رمقتها عيون الجالسين.

حاولت السيدة الولوج داخل الأتوبيس دون جدوى، واثناء بحثها عن مقعد تلصصت يد أحد الركاب متحرشة بها، نهرته السيدة بصوت متهدج والدموع تنهمر من عينيها «إنت قليل الأدب » وهمت بالنزول مهمهمة بكلمات غير مفهومة.

خيّم الصمت داخل الأتوبيس ، قطعه صوت الشيخ«بصراحة تستاهل اللى حصل فيها حد يلبس كده؟ دى شكلها مش محترمة أصلًا».

شاركه فى الرأى الرجل الأربعينى «المفروض يكون فيه حِشمة هى فاكرة نفسها فى أمريكا؟»، شاركهم ثالث ذو لحية خفيفة«كله من الإعلام اللى وَصل الناس لكده وتركوا تعاليم الإسلام لدرجة إن فيه كتير ملحدين والعياذ بالله».

أغلق “بهاء” كتابه الذى كان منهمكًا فيه وصرخ فى جميع الجالسين هل نحن أسوياء؟ أين حُمرة الخجل؟

سأله الشيخ ماذا تقصد؟

أجابه هل الدين دعانا للطعن فى الأعراض؟، نطالب الناس بالتدين ونتظاهر به وفى داخلنا شرورًا وخطايا يتبرأ منها إبليس ذاته! نطالب بحرية المرأة وأنها ليست إناءًا للمتعة ومع ذلك نتهمها بالفجور اذا تعدى أحدًا على حريتها ،أو جالست الرجال رغم ان عددًا كبيرًا منهم أشباه رجال؟.

أكمل منفعلًا، “نطالب بالمساواة ونتعامل مع بعضنا البعض بطبقية؟، ندعو الناس لتطبيق تعاليم الدين التى دعانا فيها لإكرام الوالدين ،وجميعنا إلا من رحم ربى عاق بوالديه؟، نخطب فى الناس ونغازل مشاعرهم بمعسول الكلام عن إحترام عقيدة الأخر ومع ذلك ندعو لقتل الأخر اذا جاهر بعقيدته ونُهجِره قسرًا؟، نطالب بالعدل ونحن أظلم من الظُلم على من حولنا، نطالب بالديموقراطية ونحن أشد ديكتاتورية على كل ضعيفِ، نبغى التقدم ونحن لا نعمل؟”.

يا سادة نحن أصبحنا خطرًا علي أنفسنا وعلي مجتمعنا من أي خطر أخر ، لا أمل في أي إصلاح طالما أننا نُكفر بعض، ونطعن في أعراض بعض، ولا نتعامل مع الإنسان في إنسانيته ، ينبغي علينا الإقرار أن الكثير منا لم يعد يتمتع بالطبيعة الإنسانية السوية ، ونستهدف كل ما هو إنساني بتفكيرنا الذي لايري دوام الحياة الا بموتها.

نزل بهاء من الأتوبيس في محطته بعد أن صافحه خالد، موافقًا علي ماقال.

سأل الشيخ فيما كان يقرأ هذا الشاب؟ أجابه خالد – ممتعضا من سؤاله- كان يقرأ كتابًا فلسفيًا معنون بـ”جينالوجيا الأخلاق” .

رد الشيخ فلسفة! يعني مُلحد !.

قال أخر “لا يبدو انه نصراني” قال ثالث “شكله إخوان متخفي” ردت سيدة عجوز “ده طابور خامس من اللي اتكلم عليهم توفيق عكاشة”.

زادهم ما قاله الرجل الذي كان يقرأ “الأجبية”- أي كتاب الصلوات السبع في المسيحية- شكله متعصب وعايز ينشر الفجور ، أصل المسيحية مش بتؤمن بالفلسفة! وأي حد بيقرأ فيها بيلحد والعياذ بالله، علشان الفلسفة فيها حاجات بتدعو للحرية والمساواة بين الرجل والمرأة، مع إن المفروض الراجل رأس المرأة ، دي تعاليم المسيحية!.

وقف خالد من مكانه وقبل ان يهم بالنزول نظر اليهم ولسان حاله يقول “مفيش فايدة”!!!

Maheryoom@yahoo.com

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »