هل تنجح قمة شرم الشيخ في دفع التعاون الاقتصادي العربي؟

شارك الخبر مع أصدقائك

مسيرة التعاون الاقتصادي العربي في النصف الأخير من القرن الماضي وحتي أوائل القرن الحالي، لم تصل إلي الحد الأدني من طموحات الشعوب العربية ولم تحقق الآمال التي كان الجميع ينتظرها، وذلك بالرغم من الصياغات القوية التي تم إعدادها للتنفيذ، وبالرغم من آلاف المؤتمرات والملتقيات والندوات التي طالبت بتقويته بشكل يتفق مع قوة التنظيمات الاقتصادية الإقليمية التي تمت خلال الفترة الماضية وأسفرت في أوروبا علي سبيل المثال عن اتحاد اقتصادي كامل بين الدول الأوروبية ينضم له حالياً 27 دولة أوروبية وهناك دول أخري مازالت تطالب بالانضمام إليه.
 
حقاً لقد كانت مسيرة التعاون الاقتصادي العربي خلال النصف الأخير ضعيفة وتشوبها عيوب لم يفكر أحد في معالجتها أو استئصالها وبالرغم من مراحل مختلفة قوية الصياغة ومعتدلة الفكر مرت علي أعمال التعاون الاقتصادي العربي في جامعة الدول العربية وفي مجلس الوحدة الاقتصادية العربية وفي منظمات عربية متخصصة، وحتي في اتحادات عربية مشتركة نشأت في كل المجالات الاقتصادية العربية، بالرغم من ذلك كله فإن خطوات التعاون الاقتصادي العربي ظلت دون المستوي المطلوب والمأمول ولم ينجح منها سوي الزيادة المحدودة في التبادل التجاري البينني الذي تم في ظل اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة والذي بموجبه ألغيت الرسوم الجمركية علي السلع العربية المتبادلة بين الدول الأعضاء.
 
ولكي يمكن الوقوف علي ضعف مسيرة التعاون الاقتصادي العربي خلال الخمسين سنة الأخيرة وحتي يمكن لمؤتمر القمة الاقتصادية المقبل في شرم الشيخ أن يضع خطوات جديدة تؤسس في ضوء تحليل للخطوات الضعيفة السابقة وأسبابها والجهات التي كانت وراء هذا الضعف، والتحرك البيروقراطي الذي ساهم في هذا التردي والذي يضم قيادات مازالت تزاول عملها حتي الآن وتصر علي الاستمرار دون خجل ولا حياء، أحاول فيما يلي أن أعرض المراحل التي مر بها التعاون الاقتصادي العربي والأفكار التي أحاطت بكل مرحلة منها والأشكال التي صيغت بها.
 
»أولاً« تولدت فكرة التعاون الاقتصادي العربي في ضوء ميثاق الإسكندرية في عام 1944 الذي أنشأ جامعة الدول العربية، حيث حدد البند الثاني من هذا الميثاق أنواع ومجالات التعاون الاقتصادي العربي في الشئون الاقتصادية والمالية بما في ذلك التعاون التجاري والجمارك والعملة وأمور الزراعة والصناعة وكذلك المواصلات بما فيها السكك الحديدية والطرق والطيران والملاحة والبرق والبريد، وهو بذلك لم يترك مجالاً اقتصادياً واحداً لم يذكره، كما أن هذا البند حدد طريقة تنفيذ هذا التعاون حيث طالب بتشكيل لجنة من الخبراء والفنيين لكل نوع من هذه المجالات تمثل فيها الحكومات المشتركة وتكون مهمتها إعداد مشروع قواعد التعاون في الشئون الواردة بهذا البند ومداه وأدواته، مع تشكيل لجنة أخري للتنسيق بين هذه المجالات والخروج بمشروعات اتفاقات محددة تعرض علي الحكومات، وقد تضمن ميثاق جامعة الدول العربية كل هذه الخطوات بالتفصيل.
 
»ثانياً« ومع تباطؤ الحكومات العربية في تشكيل اللجان وتنفيذ ما ورد في الميثاق، وفي ضوء الاهتمام بالأوضاع الاقتصادية العربية وضرورة دفعها لإقامة تعاون عربي بناء لصالح الشعوب العربية في وقت كاد فيه الوضع العربي العام ينهار بعد خروج الاستعمار من المنطقة العربية وعدم وجود قيادات أمينة تهيمن علي المنطقة العربية وتدفع التعاون العربي المشترك إلي طريق عملي، فقد وافق مجلس جامعة الدول العربية عام 1950 أي بعد مرور خمس سنوات كاملة، علي معاهدة للدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي بين دول الجامعة العربية، كان للتعاون الاقتصادي العربي نصيب الأسد فيها حيث نصت علي أن تتعاون الدول المتعاقدة علي النهوض باقتصادات بلادها واستثمار مرافقها الطبيعية وتسهيل تبادل منتجاتها الوطنية »الزراعية والصناعية«، وبوجه عام علي تنظيم نشاطها الاقتصادي وتنسيقه وإبرام ما يقتضيه الحال من اتفاقات جماعية لتحقيق هذه الأهداف، كما نصت المعاهدة أيضاً علي إنشاء مجلس اقتصادي لوزراء الاقتصاد والتجارة العربية أو من يمثلونهم لكي يقترح ما يراه كفيلاً لدعم التعاون الاقتصادي العربي.
 
وتعتبر هذه المعاهدة المرحلة الثانية للتعاون الاقتصادي العربي بعد فشل المرحلة الأولي في قيام تعاون جاد منصوص عليه في كل من بروتوكول الإسكندرية وميثاق جامعة الدول العربية، وقد نشأ بموجبها المجلس الاقتصادي الاجتماعي والذي كان عليه أن يبحث امكانية تحويل التعاون الاقتصادي العربي النظري إلي مرحلة عملية ليدفع الدول العربية مستقبلاً إلي اتحاد اقتصادي كامل ويعالج المشكلات التي ظهرت علي الساحة العربية، وتم إيقاف تنفيذ البنود الاقتصادية الواردة في اتفاقيات التعاون، غير أنه لم ينجح في تحقيق ذلك حتي الآن ومازال يحاول!!
 
»ثالثاً« وفي ضوء الاهتمام العالمي بإنشاء تنظيمات اقتصادية إقليمية ظهرت في كل قارات العالم في العصر الحديث، اتجه الفكر العربي إلي إنشاء وحدة اقتصادية عربية تضم الدول العربية وتضم كل مجالات التعاون الاقتصادي وتحقق كل ما تطمح فيه الشعوب العربية، وقد وافق المجلس الاقتصادي لجامعة الدول العربية بتاريخ 1957/6/3 علي هذا المشروع الكبير وتم إعداد اتفاقية خاصة للوحدة الاقتصادية العربية نصت المادة الأولي فيها علي قيام وحدة اقتصادية كاملة تضمن بصورة خاصة للدول الأعضاء ولرعاياها علي قدم المساواة:
 
1- حرية انتقال الأشخاص ورؤوس الأموال.
 
2- حرية تبادل البضائع والمنتجات الوطنية والأجنبية.
 
3- حرية الإقامة والعمل والاستخدام وممارسة النشاط الاقتصادي.
 
4- حرية النقل والترانزيت واستعمال وسائل النقل والمرافق والمطارات.
 
5- حقوق التملك والإيصاء والإرث.
 
وقد وضعت المادة الثانية من الاتفاقية الطريق العملي المناسب للدول إلي بدء الوحدة الاقتصادية العربية، كما نصت علي السياسات الاقتصادية التي يتعين توحيدها والمنطقة الجمركية الموحدة التي يتعين إقامتها بين الدول العربية، وعلي تنسيق تشريعات العلم والضمان الاجتماعي والضرائب وتلافي ازدواج الضرائب وتنسيق السياسات النقدية والمالية والإجراءات والخطوات التي يتعين القيام بها لتنفيذ الوحدة الاقتصادية.
 
كما أنشئ لتنفيذ هذه الخطوات مجلس مستقل هو مجلس الوحدة الاقتصادية العربية الذي يعمل في استقلال تام عن جامعة الدول العربية، علي أن هذا المجلس لم يتمكن حتي الآن وبعد مرور أكثر من خمسين عاماً علي إنشائه »1957- 2010« من تنفيذ أي من الأهداف الواردة باتفاقياته والمذكورة أعلاه، كما لم يتمكن من تنفيذ مشروع السوق العربية المشتركة الذي كان يمكن أن يكون العمود الفقري للتعاون الاقتصادي العربي، وبالتالي فإن مرحلته في تحقيق التعاون الاقتصادي العربي تعد مقصورة أيضاً عن تحقيق طموحات الشعوب العربية.
 
وإذا كانت القمة الاقتصادية العربية الأولي التي انعقدت بالكويت منذ عامين لم تنجح في تغيير مسيرة التعاون الاقتصادي العربي وفي مقدمته تنفيذ السوق العربية المشتركة وإقرار أنظمة اقتصادية عربية لخلق تكامل اقتصادي عربي يؤدي إلي دعم هذا التعاون وإنشاء منطقة اقتصادية عربية موحدة، فإن الأمل معقود علي القمة الاقتصادية القادمة التي ستنعقد في شرم الشيخ خلال يناير المقبل إن شاء الله، والذي نرجو أن تبحث بفكر جديد إنشاء السوق العربية المشتركة التي تغطي كل مجالات التعاون الاقتصادي.
 
ولكي تنجح هذه القمة في تحقيق طموحات الشعوب العربية فإنه يتعين أن يتوافر عاملان:
 
1- إعداد جيد للتحضير للمؤتمر الذي يتعين أن يتم من أعلي المستويات العربية في الخبرة الاقتصادية المحلية والعربية، وأن يكون أعضاء التحضير علي علم كامل بالمراحل السابقة للتعاون الاقتصادي العربي وأسباب تراجعه خلال الخمسين سنة الماضية.
 
2- تنظيم جيد لاجتماعات المؤتمر مع القيام بتشكيل مجموعة من أعلي المناصب القيادية في الدول العربية لوضع وسائل تنفيذ القرارات التي يتوصل المؤتمر إليها، مع المتابعة الدائمة لها ونأمل أن يكون في مقدمة هذه القرارات إنشاء السوق العربية المشتركة والمراحل العملية والزمنية التي تتقرر لها.
 

شارك الخبر مع أصدقائك