شريف عطية

هل تعود أفغانستان «دولة منبوذة».. أم لسياسة الحياد مع العواصم الكبرى

شارك الخبر مع أصدقائك

لم تتعاقب الإمبراطوريات الغازية على بلد فقيرة موارده- كأفغانستان- الثرية بجغرافيتها، القاسية تضاريسها، والصندوقية حدودها غير المطلّة على البحر، إلى تعدد إثني مصحوب بتعدد طائفي جزئي، بحيث تمكنت، لأسبابها، من دحر كلٍّ من الإمبراطورية البريطانية فى تنافسها مع الفرنسيين نهاية القرن 19ومن دحر الاتحاد السوفيتى 1989، وليس آخرًا إلى الولايات المتحدة.. التى أهان الأفغان كرامتها القومية عبر انفجارات نيويورك وواشنطن سبتمبر 2001.. قبل أسابيع من غزو الجيش الأميركي- ضمن تحالف دولي- أراضيها فى أكتوبر، ولعشرين عامًا تالية من استنزاف أميركي فى حرب بلا نصر، إيذانًا بالتخلي عنها تاركة الأرض لأهلها المعذبين، وللانتقام والعملاء والضحايا تحت حكومات أفغانية أضعف من مواجهة فصائل (المجاهدين)- كالقاعدة وطالبان وما إليهما من المتمردين فى قصةٍ لم تنتهِ فصولها بعدُ حتى الآن، إذ ما بين احتلال وتحرير، أو استعمار واستقلال.. تعجز الأفكار السياسية والأيديولوجية من الإقناع أو السيطرة، ذلك حين يهزم الأفغان أنفسهم مثلما هزموا طرفًا أجنبيًّا غازيًا، سواء كان السوفيت، وشيوعيتهم، أو الأميركيون، وليبراليتهم، أو الإسلام السياسي، بجهادييه، فيما إيران التى أفادت فى السابق من إسقاط الأميركيين- طالبان- ربما تدفع تاليًا أثمانًا مضاعفة مع العودة المرجحة لطالبان إلى الحكم، لولا استقبال الصين 27 يوليو الماضى للرجل الثاني فى حركة طالبان- لطمأنة بكين (وحلفائها) لئلا تكون أفغانستان منطلقًا لهجمات المتمردين ضدهم، أما روسيا فقد تأتيها لعنة أفغانية جديدة، ذلك فى الوقت التى تعرب الباكستان عن خشيتها من اندلاع حرب أهلية فى أفغانستان سوف تعرضها لموجة لجوء جديدة إليها.. الأمر الذى تشاركها فيه إيران ذات القلاقل، ناهيك عن قلق حلف «الناتو» من احتمالات قائمة لعودة «القاعدة» إلى سابق نشاطها فى أفغانستان «الطالبانية»، ولربما أيضًا فى استضافتهما تنظيم «داعش»، ذلك فيما تواصل «طالبان» هجماتها الواسعة فى أكثر من منطقة أفغانية، ما يوقف كما يبدو الانقسامات العِرقية الأفغانية، وفى قيام زعماء حرب سابقين بحشد مناصريهم، وتسليحهم، بهدف التصدى لتمرد الحركة الإسلامية التى تهيمن عليها «البشتون»، ما سوف يجتذب صور عداوات لا نهاية لها فى المسألة الداخلية، بينما الخارج تتراوح أطرافه فى التنافس فيما بينهم للهيمنة مجددًا بشكل أو آخر على أفغانستان. وعلى صعيد مواز، تخوض الحكومة الأفغانية مفاوضات شبه عقيمة حاليًّا مع حركة «طالبان»، رغم قناعتها بالعلاقة المصيرية بين «القاعدة» وحركة «طالبان» التى لا تخفى طموحها فى طرد الحكومة بالكامل والسيطرة المباشرة على الجغرافيا الأفغانية، لكنها بشكل أو آخر تعدّل خطتها هذه للانخراط فى مفاوضات مع الحكومة تؤدي إلى تقاسم السلطة بينهما أو التوصل إلى تصور مشترك لشكل الحكومة والسلطة المقبلة، الأمر الذى لا يلقى ثقة الحكومة الأفغانية فى نوايا «طالبان» من واقع حرصها على حماية البلاد والحريات والإنجازات التى تحققت خلال العقدين الأخيرين، ذلك بالتوازى مع تحذير رسمى أميركى، 29 يوليو الماضى، أن الحكومة الأفغانية تواجه «أزمة وجودية» مع تقدم «طالبان» التى تضاعف هجماتها فى البلاد منذ اتفاق فبراير بين واشنطن والمتمردين الذى أدى إلى القرار بانسحاب القوات الأجنبية من البلاد، الأمر الذى يبقى- غالبًا- محل تريّث ومراجعة من جانب واشنطن، خشية أن تتحول أفغانستان آنئذ، بحسب وزير الخارجية الأميركى «بلينكن»، لكى تصبح «دولة منبوذة» إذا استولت «طالبان» على السلطة بالقوة، بينما يستغل المتمردون انسحاب قوات حلف شمال الأطلسى لتحقيق تقدم فى البلاد، خصمًا من حقوق الشعب الأفغاني، ومستقبل أراضيه، التي لا تعني دومًا كحالة ميئوس منها، إذ دون أن تعود أفغانستان «دولة منبوذة» أن تعتمد مجددًا سياسة حياد1978 -1964 (الملك ظاهر شاه) التي أتاحت لها أفضل العلاقات مع العواصم الكبرى- المتنافسة- فى تقديم المساعدات لأفغانستان، النائية بنفسها آنئذ عن الحرب الباردة، إلا أن العودة إلى الماضى ولو أنها قد تكون مستحيلة، إلا أن التقدم نحو المستقبل ليس أيضًا غير مستحيل

اقرأ أيضا  رجائى عطية من تراب الطريق (1229) الإمام الطيب والقول الطيب (62)

شارك الخبر مع أصدقائك

الخبر السابق «
الخبر التالي »